مشاهدة النسخة كاملة : قصة الخلق ( الحلقة الاولي )


عين الصقر
15-09-2008, 06:22 PM
في البدء.. كان الله ولم يكن شيئا غيره..
ثم خلق الخلق ليُعرف ويُعبد.. واتخذ الله تعالى لنفسه جندا فخلق الملائكة لا يعلم عددهم إلا هو. وخيّر تعالى خلقه أن يعبدوه اختيارا ]فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ[ (الكهف:29) أو أن يعبدوه إلزاما، منقادين، مجبولين على ذلك، ودون أن يكون الأمر إليهم، وسمى الله الأمر الأول (الأمانة) وعرضها على مخلوقاته جميعا فأبت كلها أن تقبلها، واختارت أن تعبده إلزاما، مجبولة على ذلك وقبل الإنسان الأمانة.. إن شاء يؤمن وإن شاء يكفر.. على أن يجازى بعد ذلك بفعله، يقـول تعالى: ]إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً[ (الأحزاب:72).
ولعظم هذا الاختيار، ولفداحة الأمر، ولخطورة العاقبة، ولأن الإنسان اختار الخيار الأصعب والأشق عليه، والأحب إلى الله تعالى، فقد سخر تعالى كل مخلوقاته التي لم تحمل الأمانة، سخرها للإنسان الذي حملها. ومنحه الله ما لم يمنحه لغيره وميزه عن غيره وفضله تفضيلا.
ورغم صغر خلق الإنسان بالنسبة لغيره من المخلوقات إلا أن الله أولاه من عطاياه ومن فضله، بل وسخر له تعالى كل مخلوقاته سواء في السموات أو في الأرض من الملائكة الكرام إلى البهائم والأنعام، وما بينهما من الموجودات.
ولتسهيل المهمة على الإنسان أرسل إليه رسلاً من جنسه. وأنزل إليه كتباً عرفه فيها كل شيء، إلا ما استثناه تعالى ليخص به نفسه، واعتبره غيبا، وهي من صميم ابتلائه وامتحانه.
وطلب تعالى منه ألا يشغل نفسه بها ولا يجهد عقله في تعريف كنهها، وأن يتفرغ للمهمة التي أختارها بنفسه وارتضاها لـه ربه وخالقه، وهـي أشرف مهمة، وأجمل مهمة، وأخطر مهمة.. أن يعبد الله خالقه، ومربيه، ومفضله ومميزه. يعبده ولا يشرك به شيئا.
ووعده تعالى إن فعل ذلك بجنات ذكر له بعضا من النعم، والمتع التي تنتظره فيها. أما الأعطية الكبرى، والجائزة المستحقة فقد جعلها الله له.. مفاجأة.
فرغم كل ما ذكر من متع ولذائذ، وأعطيات ذكرها تعالى في كتبه وعلى لسان رسله إلا أن أصل المكافأة.. مفاجأة.. قال تعالى: ]فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون[.
وفيـما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: }أعـ‏ددت لعبادي الصالحين، مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر{ (متفق عليه).
وتوعد الله تعالى من عصاه، ولم يأت بما أمر، وينتهي عما نهى، من لم يؤد الأمانة التي من اجلها كرم وفضل وميز، وسخر له كل شيء، بنار وعذاب أليم يلازمه ما بقى، خالدا لأنه لن يموت بعد ذلك، فلن يكون ثَم موت.
ولخطورة الأمر، وفداحة الخطب يسر الله على الإنسانية الأمر، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، التي عرفهم فيها بنفسه، تعريفا لا يقبل الشك والريبة وعرفهم بغيرهم من المخلوقات تعريفا دقيقا مفصلاً، لا لبس فيه ولا غموض وضمن لهم الرزق، وزيادة في طمأنتهم فإنه وعدهم بأن رزقه سيجـرى علـيهم آمنــوا أو كفروا، أطـاعوا أو عصوا. ولمـزيد من الطمأنينة جعل رزقهم وما وعدهم به، في السماء، وليس في يد بعضهم البعض.
ولمزيد من التيسير، والسهولة في أداء الأمانة والقيام بالمهمة المختارة وعدهم بأن يغفر لهم ذنوبهم، ويكفَر عنهم سيئاتهم، ويمحو ما سجل من خطاياهم إذا هم طلبوا منه ذلك واستغفروه.
ثم منحةً ومنةً كبرى منه وهو الأكرم، وعدهم بان يتجاوز عنهم مهما بلغت ذنوبهم وإن كانت مثل زبد البحر، أو بلغت عنان السماء، بل ولـو جاءوا بقراب الأرض خطايا، لتجاوز عنهم وعفا، شريطة ألا يشركوا به شيئا. لأن ذلك حقا له تعالى (ألا يشرك به). فهو وحده الخالق والرازق والمعطى والمانع والضار والنافع. فكيف يعطى الولاء لغير مستحق؟
أصعبٌ هذا بعد كل ذلك؟
هل تبقى حجة لمن يخالف؟ هل يبقى عذر بعد كل هذه التسهيلات والتيسيرات؟ لقد وصل الأمر حدا من الكرم من الله. أن من فعل هذا الكم من الذنوب والخطايا وأي ما كان نوعها وخطرها، أنه تعالى يبدلها له. ترى بماذا؟؟ بحسنات.
أمرُُ عجيب، ولكنه كرم الله. تؤتى ذنوب وخطايا.. ومهما بلغت.. فتحول وتستبدل وكأنها جميعا كانت أعمال صالحة؟ نعم.. وما شرط ذلك؟ فقط طلب واحد بالإضافة لعدم الشرك، أن يتوب ويعمل صالحاً.
إذن فمن يوبق نفسه في النار بعد ذلك، فقد ظلم نفسه ظلماً كبيراً. ورغم أن الامتحان لازال فيه بعض الوقت ولم يأت الأجل المسمى، إلا أن بوادر النتيجة قد ظهرت. هذا فضلا عن علم الله المسبق فقد ظهر أن أكثر الناس رغم كل ذلك ورغـم الجهد الهائل المبذول من الرسل لم يؤمنوا، وظلموا أنفسهم، وخانوا الأمانة.
إنه لأمر غريب، وعجيب أمر الإنسان، لقد راح يتعرف على كل المخلوقات وترك الخالق. ولم يكن هذا مطلوبا منه. لم يكن مطلوبا منه أكثر من النظر للاعتبار وللتعرف على الصانع لا المصنوع، الخالق لا المخلوق، الرب لا المربوب.
فتجد الإنسان يفنى عمره لدراسة حشرة، ولا يفكر في خالقها، يفنى عمره في معرفة الذرة، ولا يتعرف على موجدها.
هكذا وصل الحال بالإنسان.. انشغل بالأشياء التي خلقت له، وترك ما خُلق هو له، بل إن الأمر بلغ حداً أن الإنسان توغل في الضلال والجحود بأن نسب الفعل للمفعول به، وجحد الفاعل وراح ينسب كل أمر ليس للآمر بل للمأمور. وتوصل الإنسان إلى اكتشافاته العظمى. ما هي؟ أن الله لم يرسل رياحاً، ولم ينزل مطراً، ولم ينبت زرعاً، ولم يفتق أرضاً وإنما جاء كـل ذلك مصادفة. ولم يبن سماًء ولم يوجد أرضاً ولم يخلق شمساً، ولا قمراً ولا نجوماً وإنما كل هذه جاء نتيجة اصطدامات وانفجارات، وكأن الكون كله بدأ بالدمار مع أن الحق أن كل شيء سينتهي بالدمار، وبدأه الله تعالى بالحكمة والعمار.
واكتشف الإنسان أن الزلازل والبراكين والسيول والعواصف والأعاصير ليست آيات ربانية، فعلها الله، بل إنها ظواهر طبيعية أتت بها الطبيعة.
والسماء والأرض لا يمسكهما الله. بل الجاذبية. والفُلك تجرى في البحر ليس بأمر الله بل بقانون الطفو. والمطر لا ينزل بأمر الله، بل بفعل البخر، والسماء ليست محفوظة بحفظ الله بل محفوظة بخط (فان آلن) والله ليس بيده الأمر، ولا يقلب الليل والنهار وليس هو الدهر بل يحكمنا قانون (النسبية لأينشتاين). وحفظ الأشياء ليست من الله بل بقانون (لويس باستير) واستقرارنا على الأرض ليس بتمكين الله، ولكن بقانون (نيوتن).
وقسم الإنسان ميراث السموات والأرض بين المخلوقات، فبعضها للطبيعة هي صاحبته، والأخر للمكتشفين وهم أولى به، والحسرة كل الحسرة.. أن أكثر الناس على هذا الأمر، وعلى هذه العقيدة، والقلة القليلة هم الذين أدوا الأمانة، ولم يجحدوا حق الله، ولم يكفروا بنعمته، ولم تصرفهم المخلوقات عن الخالق فقد عرفوا الله، ليس من مخلوقاته، بل منه تعالى، فكمال الإيمان: أن تتعرف على المخلوقات من الخالق، لا أن تتعرف على الخالق من المخلوقات وليت الجاحدين فعلوا حتى الثانية.
إن الله ما طلب من الإنسـان أن ينـظر في مخلوقاته تعالى ليتأكد من وجود الله لا.. إنما طلب ذلك منه ليتأكد الإنسان من قدرة الله، وحكمة الله ولطف الله وسائر صفاته الكريمة.
أما المنكرون أصلا لوجوده، فالله تعالى يعاملهم بالمثل، ويجازيهم من جنس عملهم، فلا يعترف بحالهم، ولا يأبه بوجودهم، ويعتبرهم كالعدم.
وأعجب وأغرب ما كان من الإنسان، أنه اتخذ من الأشياء التي سخرت له والتي هو أرقى منها مرتبة من شمس وقمر ونجوم ودواب، آلهة عبدها من دون الله! أليس هذا أمراً غريباً من الإنسان، يستحق ما توعده الله به دون ظلم له؟؟
كان هذا هو حال الإنسان عموما، أما المؤمنين بالله فقد وصلوا الآن إلى ما هو أدهى وأمر.. فقد أصبح إيمانهم بالله مزيج من الشرك والإيمان، إيمان مهجن وعقيدة مختلطة، كما قال تعـالى ]وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ[ (يوسف:106).
لماذا لا يؤمنون بمحمد
إنني لا أجد سببا لعـدم الإيمان بمحمد e الذي اختاره الله لتبليغ الرسالة الأخيرة والخاتمة للبشر، لماذا لم يصدقوه مع أن الرجل لم يدع لنفسه شيئا، لم يدع إلا لعبادة الله نفس الدعوة التي دعي بها المسيح عليه السلام ونفس الدعوة التي دعي بها موسى عليه السلام. نفس الدعوة التي دعي بها زملاؤه وإخوانه من الأنبياء والرسل؟
لماذا يكذب وهو يدعو إلى مكارم الأخلاق، والصدق، والأمانة، وفعل الخيرات والحب والتسامح، والعفو، والصفح، وإتقان العمل، وإكرام الضيف والإحسان إلى اليتيم والأرملة وابن السبيل، وصلة الرحم، وهي نفس المبادئ التي دعي إليها السابقون من الأنبياء.
لا أدرى.. ما السر في تكذيبه؟ وهو أول المؤمنين بعيسى المسيح نبياً واً وبموسى الكليم نبياً واً، وهو أول المؤمنين بالإنجيل والتوراة. وهو أكثر المعظمين لقدر أم المسيح (مريم ابنة عمران): ولم يقل في أمه (آمنة بنت وهب) ما قاله في أم المسيح. وذكر أن الله تعالى أوحي إليه في مريم وليس في آمنة: ]يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ[.
لست أدرى.. لم يكذب هذا ال الذي يبلغ الناس أن الله ينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وجاء بقول الله تعالى ]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ[ (النحل:90) هل يكذب من دعي إلى ذلك؟
لماذا لا يقرءون رسالته ويناقشونها، ويفعلون معها كما يفعلون مع الرسائل العلمية فيولونها اهتماما في البحث والدراسة، بحياد تام، وبالرغبة في الوصول إلى الحق وما من شك في أنهم لن يجدوا في هذه الرسالة مطعنا. لم لا يقرءون الرسالة الأخيرة من الله إليهم؟ نعم هي إليهم لأنها رسالة للعالمين وليس لسكان الجزيرة العربية وحدهم، وهم مخاطبون فيها، ومكلفون بها، وسيسألون عنها مثلهم مثل العرب سواء بسواء. والله تعالى لم يعتبر الذين آمنوا به وبكل الكتب وبكل الرسل ولم يؤمنوا بمحمد اً مؤمنين، فلابد من الإيمان به والإيمان بالكتاب الذي نزل إليه ]فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا[ (التغابن:8).
مؤمنون: نعم. متبعون: لا
إن الإيمان بالله، ليس منة من الخلق على الله ]يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمـوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ[ (الحجرات:17) وليس أي إيمان يقـبل، بل الإيمان الذي حدده الله واشترطه، ولله أن يحدد ويشترط لأنه تعالى هو الخالق. وهو تعالى الذي سيجازى ويكافئ لا غيره. اشترط الله علـى المؤمنين لقبول إيمانهم أن يتبعوا رسوله ويتبعوا كتابه، ودون ذلك لن يغنى إيمانهم شيئا. وعلى ذلك فالمؤمن هو من يؤمن بالله وبأنه خالق الكـون وحـده لا شريك له وأنه تعالى مستحق للعبودية وأن هناك يوم للحساب بعد البعث والنشور، ويؤمن بكل كتبه وكل رسله فهذا هو المؤمن.
والذي يعلم من القرآن، أنه منزل من عند الله، وأنه الرسالة الأخيرة للبشر فليس ثَم كتب أخرى بعده، وأن هذا الكتاب منزل من الله تعالى للإتباع، واتباعه ليس خياراً للمؤمنين به، بل هو حتم وإلزام، وإلا فلا يعد من المؤمنين من لا يتبع.
يقول تعـالى ]المـص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مـَا تَذَكَّرُونَ[ (الأعراف ) ]وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مـِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عـَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ[ (الأنعام) ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتقِِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا[ ( الأحزاب)] وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصـْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ[ (يونس 109).
]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا[ (آل عمران:103) وحبل الله: كتابه كما فسره النبي e وقد بين الله تعالى في كتابه حال الذين ورثوا الكتاب فخالفوه، والذين استمسكوا به. فقال تعالى: ]فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا... [ إلى قوله ]وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ[ (الأعراف:169).
محاولات التحريف
لقد صفيت البشرية إلى هذه الفئة القليلة، التي تؤمن بالله وآياته وه ويتبعون ما يؤمرون به غير أن هذه الفئة القليلة، لم تتبع كما يريد الله، بل إن الشيطان دخل إليهم من هذا الباب أيضا. فإنه وإن كان هذا الكتاب قد حُفظ من الله تعالى من أن تنال آياته التحريف، كما حدث لغيره من الكتب السابقة، إلا أنه في نفس الوقت، هجر ولم يتبع، واتبع المؤمنون به من دونه أولياء، ونظم وقوانين، وتسابق في هجر آياته واتباع ما دونه، أشد الناس إيماناً به.
ففي مجال الحكم نحيت آيات الله، وفيها أكمل نظام للحكم واتبع غيره من
نظم، ديمقراطية، أو رأسمالية، أو اشتراكية،.... أو غيرها.
وفي مجال القانون نحيت آيات الله، ومـا أكثر تلك الآيات التي تحكم عـلاقات المجتمع، ليتبع غيره من قوانين من وضع الغرب أو الشرق، أو حتى من وضع ذات المؤمنين بالقرآن.
وفي مجال الثقافة والعلوم نحيت آيات الله، والتي يقول فيها الله تعالى ]وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ[ واتبع غيرها من الثقافات والعلوم.
ولم يتخلف عـن هذا السباق علماء المسلمين في شتى العلوم ـ الإنسانية منها والمادية ـ وراحوا يتناقلون في أحاديثهم وكتبهم ما يقوله علماء الغرب من نظريات، وتركوا بل وخالفوا ما يقوله كتابهم، وخالفوا أيضا سلفهم الذين علموا الدنيا وأناروا الظلمات، ويشهد بذلك أهل الغرب أنفسهم.
فأي إيمان هذا؟ والمؤمنون يتركون ما آمنوا به لغيره. والله تعالى أكمل لهم الدين وأتم عليهم نعمته. ورضى الإسلام لهم دينا، وأمرهم بأن يتبعوا الصراط المستقيم ولا يتبعوا السبل فتفرق بهم عن سبيله، وجعل هذه الوصية هي خاتمة وصاياه العشـر، والتي هي جوامع الشرائع التي تضاهي الكلمات التي أنزلها الله على موسى في التوراة وإن كانت الآيات التي أنزلت عليه أبلغ وأكمل.
ولم يقتصر الأمر على مجرد هجر القرآن واتباع غيره، بل أصبح ينادى باتباع أي سبيل غير سبيل الله. بل وصل الأمر إلى أن أصبح كل ما يخالف قول الله تعالى يدرس على أبناء المسلمين في المدارس والجامعات، من علوم مخالفة لتعاليم الله وشرعه. فهم يدرسون ويعلمون وينشرون علوما ونظريات متناقضة تماما مع القرآن.
فيعرفنا الله بأنه أرسل أنبياء ورسلا إلي الناس، من بداية وجودهم علي الأرض، وأن أنبيائه ورسله علموا الناس كل ما يحتاجون إليه لحياتهم ومعايشهم وكيف يستفيدون من وجودهم ومما سخر لهم في الأرض.
وأخبرنا الله في القرآن عن أمم ظهرت فيما يسمونه بالعصر الحجري بلغت من الحضارة مبلغاً ومن الرقي ما لم يخلق مثله في البلاد.
حتى في أبسط الأمور عقلانية وأوضحها في كتاب الله تبياناً: قضية خلق الإنسان. انتشر في بلاد القرآن نظرية تخالف ما جاء به، أكثر مما أنتشر وقيل عنها في بلادها وهي نظرية: (النشوء والارتقاء). وتبنى هذه النظرية ودافع عنها وحللها وناقشها، وأذاعها ودرسها، وعلمها وأيدها، علماء يؤمنون بان الله قال في كتابه المنزل ]لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[ (التين:4) وغيرها من الآيات، وفي تطور علمي جديد، وفي اتباع مفرط للغرب، وفي تقليد لهم أعمى،خرجت نظريات من حاملي وحافظي القرآن عن النشوء والارتقاء في الأديان.
ففي كتـاب يعتبر من درر الفكر العربي هو كتاب (الله: في نشأة العقيدة الإلهية) لأحد رموز الفكر الإسلامي المعاصر، وخلاصة المستنيرين (عباس محمود العقاد) يقول رحمه الله في مقدمة هذا الكتاب:" ترقى الإنسان في العقائد كما ترقى في العلوم والصناعات فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته فليست أوائل العلم والصناعة بأرقي في أوائل الأديان والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفى من عناصر الحقيقة في الأخرى. وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدين، أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم والصناعات.
لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلباً، وأطول طريقاً من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التي يعالجها العلم تارة والصناعات تارة أخرى.
وقد جهل الناس شأن الشمس وهي أظهر ما تراه العيون وتحسه الأبدان، ولبثوا إلى زمن قريب يقولون بدورانها حول الأرض، ويفسرون حركاتها وعوارضها كما تفسر الألغاز والأحلام، ولم يخطر لأحد أن ينكر وجود الشمس لأن العـقول كانت في ظلام من أمرها فوق ظلام ولعلها لا تزال. فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدل على بطلان التدين ولا على أنها تبحث عن محال. وكل ما يدل عليه أن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة في عصر واحد. وأن الناس يستعدون لعرفانها عصرا بعـد عصر وطورا بعد طور، وأسلوبا بعد أسلوب، كما يستعدون لعرفان الحقائق الصغرى، بل على نحو أصعب وأعجب من استعدادهم لعرفان هذه الحقائق التي يحيط بها العقل ويتناولها الحس والعيان - وقد أسفر علم المقابلة بين الأديان عن كثير من الضلالات والأساطير، التي آمن بها الإنسان الأول، ولا تزال لها بقية شائعة بين القبائل أو بين أمم الحضارة العريقة، ولم يكن من المنظور أن يسفر هذا العلم عن شيء غير ذلك ولا أن تكون الديانات الأولى على غير ما كانت عليه، من الضلالة والجهالة فهذه هي وحدها النتيجة المعقولة التي لا يترقب العقل نتيجة غيرها، وليس في هذه النتيجة جديدا يستغربه العلماء، أو يبنون عليه جديدا في الحكم على جوهر الدين.
فإن العالم الذي يخطر له أن يبحث في الأديان البدائية، ليثبت أن الأولين قد عرفوا الحقيقة الكونية الكاملة منزهة عن شوائب السخف والغباء، إنما يبحث عن محال".
ثم قال الرجل حاكيا عما توصل إليه علماء الغرب:" يرى كثير من العلماء أن الأساطير هي أصل الدين بين الهمج".
ثم عدد العالم القرآني أسماء بعضا ممن قال عنهم (علماء) وحكى عنهم الأقوال التي تفصل ما قال به في مقدمته حتى قال:" يعرف علماء المقابلة بين الأديان ثلاثة أطوار عامة مرت بها الأمم البدائية في اعتقادهم بالآلهة والأرباب. وهي دور التعدد ودور التمييز والترجيح، ودور الوحدانية".
أرى أن الرجل فيما يقول في كتابه هذا قد نسف أول وأكبر مبدأ نص عليه القرآن في معظم آياته وهو أن الكون كله بما فيه، ومن فيه قام وكان على عبودية الإله الواحد وانسجمت جميع المخلوقات في هذه العقيدة. وبدأتp حياة البشر على الأرض بالعقيدة الصحيحة التي يرضاها الله، وهي التوحيد، وقد كان أول البشر (آدم) موحداً ولم يعبد أربابـا متعددة ولا متميزة، ولم يعبد طوطم ولم يشرك مع الله أحدا. وأن حياة البشر ظلت بعد آدم عشرة قرون على هذه العقيدة التي تقوم على التوحيد.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها علي الإسلام" فمن نصدق؟؟ هذا ما رواه البخاري عن رسول اللهe مخالفا ما قال به علماء المقابلة بين الأديان أمثال (رويس، وجيمس، وسانتيانا، والعقاد،.. وغيرهم). والبخاري كتابه أصح الكتب لدى المسلمين - بعد القرآن - والرسول صلى الله عليه وسلم أصدق الناس.
إن القارئ للقرآن يجد أن الأصل في تاريخ البشر، الإيمان بالله الواحد، وأن البشر كلما ابتعدوا عن هذه العقيدة أرسل الله إليهم من يعيدهم إلى التوحيد رسولا من أنفسهم، وإنهم إذا لم يستجيبوا فإن الله تعالى يخلص الأرض منهم ولا يبقى فيها مشرك، ويترك فيها الموحدين فقط، حتى جاءت هذه الأمة التي تركها الله تعالى ولم يؤاخذهم بشركهم لأن القيامة ستقوم بعدهم. كما أن المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القيامة ستقوم على شرار الخلق. وأن الساعة لا تقوم حتى لا يقال على الأرض: الله.. الله. أي ستقوم وليس لله تعالى بين الناس ذكر ولا فيهم إيمان.
إذن فتاريخ البشرية الذي يخبرنا عنه القرآن مخالف لما يقول به السيد المفكر رحمه الله وعلماء مقارنة الأديان والتاريخ. وأن حقيقة الأمر أن تاريخ البشر يبدأ بالتوحيد وينتهي بالكفر وليس العكس. فلو كان ما يقوله العقاد صحيحاً، وأن البشرية تترقى في دينها وعقيدتها لكان أهل هذا الزمان أفضل إيمانا من صحابة الله صلى الله عليه وسلم ولكان طبقا لقوله أبو جهل كأبى بكر لوجودهما في عصر واحد.
هذا نموذج لترك ما أنزل الله واتباع غيره، وما أنزل تعالى في رسالته الأخيرة للبشر هو الأكمل والأتم في تاريخ الرسائل، فهو سبحانه أنزل القرآن وفيه تبيان لكل شيء، وحذر تعالى في كتابه من اتباع الغير، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بإتباع ما أنزل إليه. والأمر بالطبـع للمؤمنين بالله وبرسالته وبرسوله ]وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[ (المائدة).
]ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ[ (الجاثية:18).
فأمره تعالى أن لا يتبع أهواءهم عما جاءه من الحق وإن كان ذلك شرعا أو طريقا لغيره من الأنبياء، فإنه قد جعل لكل نبي سنة وسبيلا. وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل إليه. فإذا كان هذا فيما جاءت به شريعة غيره فكيف بإتباع بما لا يعلم أنه جاءت به شريعة، بل هو طريقة من لا كتاب له. وكم من الأمور التي ترك فيها المؤمنون بالله ما أمرهم به الله واتبعوا من يجادل في الله بغير هدى ولا كتاب منير.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وجب أن يكون فيهم من يحرف الكلم عن مواضعه. وهذا من بعض أسباب تغيير الملل.
ولأن المبنى محفوظ بالله فإنه يغير ويحرف في المعنى، فيما أخبر الله بـه وبما أمر به. قـال تعالى ]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[ (الحجر:9) ولأنه لا تزال هناك طائفة ظاهرة على الحق فلم ينله ما نال غيره من الأديان من تحريف كتبها وتغيير شرائعها مطلقا، لما ينّطق الله به القائمين بحجة الله وبيانه، الذين يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنوره أهل العمى فإن الأرض لا تخلوا من قائم لله بحجة لكي لا تبطل حجج الله وبيناته.
تزوير التاريخ
وهذا مثال آخر للتحريف والتزوير، والذي لم يتورع البعض من علمائنا أن يشاركوا الآخرين فيه. فهم يعلمون تلاميذ المدارس، وطلبة الجامعات، أن الإنسان بدأ تاريخه بدائياً لا يعرف الأسرة، ولا الاستقرار ولا الحياة الآمنة. وإن حياته أشبه بحياة الحيوان. لا علم ولا فكر ولا دين ويسمون هذه الحقبة من التاريخ: (العصر الحجري). وهذا مناقض تماما لآيات الله التي تخبرنا أن آدم أول البشرية كان يعلم ما لا نعلمه نحن في عصر الكمبيوتر والفضاء والإنترنت عرف آدم كل معاني الإنسانية والرقي والعبودية الصحيحة لله الواحد. فهذا التاريخ الذي سنرى بعد ذلك أنهم يفسرون به الظواهر التي ينسبها المؤمنون لله، تاريخ مزور، ومحرف. فهو يصور الإنسان في أول مراحله بالبدائية، والسذاجة، بحيث يشبهون تفكيره بتفكير الأطفال، بل أنه كان يتخذ الحيوان قدوة له وأسوة، وأنه الملهم له في كثير من الاكتشافات وهم يصورون الإنسان القديم بصورة أشبه للحيوان في شكله وهيئته وسلوكيــاته وأنه لم يعرف النار إلا بعد حقب طويلة فكان يأكل اللحم نيئا، وكان يعيش على القنص والصيد فلـم يعرف الزراعة ولا الصناعة. بينما يصور لنا القرآن وتصور لنا كتب السنة أن الإنسان عرف الحياة التي نحياها الآن، بل وأرقى منذ أن وطئت أقدام الإنسان الأرض، وأن آدم كان يزرع ويصنع ويحيك الملابس، وأنه بدأ حياته على الأرض في أسرة وكانت له زوجة، ثم أولاد وكان معه كتاب من الله فضلا عن العلم الذي علمه الله له، كان يعيش به على الأرض. كما نعلم أيضا أن أعظم حضارة ظهرت على الأرض كانتا حضارة (عاد) وحضارة (ثمود) وقد كانتا تاريخيا قبل العصر الحجري كما يسمونه. ولكي نؤكد للمؤمنين أن التاريخ فعلا مزور، نورد بعض النماذج على تزوير واضعيه:
إن أكبر تاريخ سجل وبأدق تفاصيله هو تاريخ قدماء المصريين. والقارئ للتاريخ المصري القديم لن يجد أي ذكر ليوسف أو موسى الكريمين، فهل يتصور ذلك؟ يوسف الذي تولى حكم مصر في فترة من أهم فترات التاريخ الإنساني وموسى الذي كان لخروجه من مصر ببني إسرائيل شأن غير به مجرى تاريخ مصر، بعد أن أغرق الله فرعون وجنوده في اليم. هل يتصور عاقل أن المصريين القدماء الذين سجلوا أشياء لا تستحق الذكر يغفلون عن تسجيل أكبر حدثين حدثا في تاريخ مصر منذ أن وجدت إلى قيام الساعة؟..اللهم إلا أن يكونا لم يحدثا..؟!!
وهل يتصور عاقل ألا يذكر التاريخ لبلاد ما بين النهرين أي ذكر لنوح عليه السلام وقد كان له حدث يعتبر الأكبر والأعظم تأثيرا في تاريخ البشر في كل الأرض قاطبة؟.
ألا يذكر التاريخ شيئا عن خليل الله إبراهيم وعن معجزة إلقائه في النار التي كانت بردا وسلاما عليه؟ وعن إسحاق ويعقوب، أكبر شخصيتين في التاريخ الإنساني. الذي يخلوا تماما من أي ذكر لهما؟.
وأن يخلو التاريخ من ذكر شعيب أو لوط؟ هل خفي على سكان الأرض كلها ما حدث لسدوم وعامورية قرى قوم لوط؟
هل قرأ أحد في تاريخ الحضارة الفينيقية ذكر لأعظم ملك كان في الأرض وهو سليمان عليه السلام. أو ذكر لأبيه داود؟
هل قرأ أحد في تاريخ الجزيرة العربية القديم أي ذكر لأنبياء كرام كصالح وهود وإسماعيل؟ اللهم إلا أن لا يكون لهم وجود فعلى كما زعم عميد الأدب العربي (طه حسين) الذي قاله في كتابه" في الشعر الجاهلي" صـ 26 ما نصه" للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثـنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخي فضلاً عن إثبات القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهود والقرآن والتوراة من جهة أخرى..". هذا هو التاريخ الذي يريد علماء الغرب أن نستبدله بالله.
فلا يوجد أي ذكر في التاريخ لنبي مهما بلغ شأنه، ولا لحدث إيماني مهما بلغت قيمته. فهل يعقل أن يخلو تاريخ الصين من نبي أو؟ لا يمكن أن يكون ذلك.هل يعقل ألا يبعث الله تعالى لأوروبا أو روسيا نبي أو؟ لا يمكن لأن الله تعالى قال وهو أصدق القائلين ]وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ[ (فاطر:24) فأين هذا النذير في تاريخ الصين أو روسيا أو أوربا؟ إذن فالتاريخ مزور. وإذا كان التاريخ وهو أثبت العلوم لأنه واقع، على هذه الدرجة من التزوير فما بالنا بغيره من العلوم.
عصر الإلحاد
بدأ منذ القرن السابع عشر الميلادي يبدو الضجر والضيق لمبادئ الفلسفة التي كانت هي مزيج من الاستنباط العقلي، والاستنتاج الحسي، لظواهر الكون بتفسيرها ووضع قوانين لها، واستعان الفلاسفة في تحليلهم للموروث من علوم الوحي لكن ليس باعتبارها وحيا، بل باعتبارها فروضا علمية لا أكثر، تقبل الأخذ والرد والتعديل والتحوير. ولكنهم على أي حال لم يتناقضوا تماما فيما استنبطوه من أعمال الفكر، مع الكتب المقدسة، بحالتها الموجودة آنذاك.
ومن الجهة الأخرى لم يقبل الإسلام هذه المبادئ الفلسفية حتى ولو اتفقت مع الدين لأن المبادئ الإسلامية لا تقبل شريكا مع الله فيما يخلق أو يأمر. وهي توصى المؤمنين باتباع آيات الله وحدها. وتحذر بقوة من اتباع غيرها أو حتى معها أي أفكار أو مبادئ.
وأطلق جاليليو الشرارة الأولى للمعركة مع الفلسفة والفلاسفة عندما قال سنة 1605م معبرا عن المذهب الجديد للتجريبيين:" ترى ما هي العلاقة بين الفلسفة وقياس كمية معينة؟" وقد صار هذا السؤال جوهريا بالنسبة لنشأة العلوم الطبيعية في القرن السابع عشر.
وبدأت معركة بين الفلاسفة وخاصة أتباع أرسطو معلمهم الأكبر، وبين التجريبيين الذين أرادوا إحلال طريقة التفكير التجريبي المعملي محل التفكير المبنى على الاستنباط العقلي.
ولم تتدخل الكنيسة في هذه المعركة، فهي ليست ضد العلم، ولا هي حامية حمى الفلسفة، غير أن الكنيسة أدخلت اضطرارا عندما أظهر التجريبيون آراء تتعارض مع الدين، ولا يمكن أن يعتبر ما يعارض الدين علماً بأي شكل من الأشكال لأن الدين هو العلم، وهنا تدخلت الكنيسة بالموعظة الحسنة تنبه على مخالفة التجريبيين للكتب المقدسة. غير أن الآخرين لم يتعظوا ولم ينتهوا بل تمادوا في موقفهم، وقد عبر (يوهانس كبلر) عن موقف زملائه بتعليقه الشهير: (إن الكتاب المقدس ليس كتابا في علم الضوء ولا علم الفلك). وهنا ظهرت الكنيسة كجبهة أقوى من الفلاسفة ولكن للدفاع عن الدين، الذي لا يعارض أبداً علم الضوء أو أي علم، ولكن يعارض تكذيب آيـات الله.
وكان هذا هو بداية الخلاف بين ما يقوله رجال الدين ورجال العلم في أوربا وهنا يبدو للمشاهدين من بعيد أن الكنيسة ضد العلم والحقيقة كانت عكس ذلك.
وقد هب رجال الكنيسة للدفاع عن آية واحدة خالفها التجريبيون تقول بحركة الشمس حول الأرض، بينما التجريبيون يقولون بعكس ذلك. جاءت هذه الآية على لسان (يوشع بن نون) في سفر (يـوشع) الإصحاح العاشر الآية رقم 13مـن (العهد القـديم) وهي تقول: " حينئذ كلم يوشع الرب، يوم أسلم الرب الأموريين أمام بنى إسرائيل، وقال أمام عيون بنى إسرائيل يا شمس دومي على جعٌبون، ويا قمر على وادى أيلون. فدامت الشمس، ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا مكتوباً في سفر ياشر، فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل".
والقارئ للتاريخ لا يجد أن الكنيسة قد اعترضت على أي علم من العلوم المادية، ولكنها وقفت وبشدة لكفر من كفر وإشاعة كفره في العلوم الكونية، والحق أن الكنيسة تصدت بشدة لكل زندقة في الأمور الكونية حتى أنها حكمت على" جردانو برونو" بالإعدام حرقا لقوله بأن الفضاء لا نهائي.
لا أشك لحظة في أن وراء هذا التغيير في مفاهيم البشر تجاه الكون وعلومه خطة إبليسية. ورغم أن الخطة معادة ومكررة إلا أنها نجحت تماما كما نجحت مع أبى البشر وزوجه في تعريتهما وإنزالهما إلى الأرض وإخراجهما من الجنة. فهو الثأر القديم والعداء المبين بينه وبيننا. فصمم عليه اللعنة وأقسم على أن يغوى البشر، ووضع خطته. ولأنها نجحت مرة فإنه لا يني في تكرارها لتغيير خلق الله من حال إلى حال.
وأكبر وأخطـر تغيير يظفر به إبليس أن يحول البشر من الإتباع إلى الابتداع ولأنه لعنه الله علم أن القرآن محفوظ من التحريف، فقد عمل ألا يضيع جهده في هذا الأمر وأن يتركه على ما أنزله الله، ولكنه يعمل جاهدا على ألا يتبع، ويفتن بنى آدم علاوة على تركهم تطبيق آيات الله إلى المخالفة والعمل بنقيض الآيات.
يقـول تعالـى: ]وَلَقدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ[ (سبأ:20) وكجزء من الخطة الإبليسية يغير إبليس الأسماء المحرمة والمنفرة إلى أخري خادعة مقبولة تماما كما استبدل اسم الشجرة المحرمة بـاسم ]شَجَرَةِ الْخُلْدِ [ (طه:120) ونجحت الخديعة في إغواء آدم فكررت هنا، وسمى هذا العصر الذي شهد أكبر عملية انسلاخ من الدين في العصر الحديث وسماه (عصر النهضة) والحقيقة أنه كان عصر السقوط والانتكاس.
أبطال عصر الإلحاد
لقد سموا هذا العصر الذي انسلخ فيه العلم عن الدين وكأن أحدهما نقيضا للآخر (عصر النهضة) وكذلك سموا الملاحدة الذين أحدثوا هذا الانقلاب بالرواد وأسبغت عليهم أسماء وصفات الأبطال والعظماء وقد شارك بعضنا في هذا العمل الأخير ووصفوا جاليليو بالرائد ونيوتن بالعظيم وأينشتاين بالعبقري، بينما كان هؤلاء هم طلائع جيش إبليس الذين نجحوا في تغيير القوانين الإلهية بقوانين طبيعية.
سنطوف مع أبطال عصر النهضة، الذين خلدتهم مدارسنا وجامعاتنا وكتبنا ونقرأ مقتطفات من أقوالهم التي عبروا فيها دون خجل أو مواربة أنهم معاول لهدم الدين الذي أنزله الله لعباده، وجاءوا بدين جديد أسموه زوراً (العلم) و(العلمانية).
ولنبدأ بالعبقرية الفذة أينشتاين الذي قـال مدافعاً عن جاليليو في حربه ضد رجال الكنيسة: " لقد منحت جاليليو موهبته الخارقة القدرة على الحوار الواعي مع مثقفي عصره فاستطاع التغلب على ذلك الفكر المبنى على الخرافات وعلى اعتبار الإنسان مركز الأشياء في هذا الكون".
وقال أيضـا:" وربما نستطيع القول: بأن التخلف الناتج عن سيطرة التقاليد الجامدة التي انتشرت في العصور المظلمة كانت قد خفت وطئته في القرن السابع عشر. وأن البقية الباقية من التقاليد الثقافية الموروثة لم يكن لها القدرة على الصمود إلى الأبد إزاء التقدم الحضاري. سواء ظهر جاليليو أم لم يظهر".
هذه الكلمات نقرأها لأينشتاين مع الوضع في الاعتبار أنه كان حذراً من إثارة رجال الكنيسة عليه.
(والتير) تجريبي آخر من رواد عصر النهضة قال ليقطع الصلة تماما بين الكون وخالقه:" إن الكون كالساعة يرتب صانعها آلاتها الدقيقة في هيئة خاصة ويحركها، ثم تنقطع صلته بها".
وجاء زميله (هيوم) بجرأة أكثر ليتخلص من هذا الإله الميت على حد قوله: " لقد رأينا الساعات وهي تصنع في المصانع لكننا لم نرى الكون وهو يصنع فكيف نسلم بأن له صانعا".
أما (هكسلى) فقد قال:" إذا كانت الحوادث تصدر عن قوانين طبيعية فلا ينبغي أن ننسبها إلى أسباب فوق الطبيعة". وأضاف" فإذا كان قوس قزح مظهرا لانكسار أشعة الشمس على المطر، فماذا يدعونا إلى القول بأنها آية الله في السماء".
ولمزيد من الإفصاح عن المنهج الإبليسي لهدم الدين يقول (هكسلى):" لقد خلق العقل الإنساني الدين وأتم خلقه، في حالة جهل الإنسان وعجزه عن مواجهة القوى الخارجية، فالدين نتيجة لتعامل خاص بين الإنسان وبيئته.
إن هذه البيئة قد فـات أوانها أو كاد وقد كانت هي المسئولة عن هذا التعامل. أما بعد فنائها وانتهاء التعامل معها فلا داعي للدين". ويضيف:" لقد انتهت العقيدة الإلهية إلى آخر نقطة تفيدنا وهي لا تستطيع أن تقبل الآن أي تطورات. لقد أخترع الإنسان قوة ما وراء الطبيعة لتحمل عبء الدين، جاء بالسحر، ثم بالعمليات الروحية ثم بالعقيدة الإلهية، حتى اختراع فكرة الإله الواحد. وقد وصل الدين بهذه التطورات إلى آخر مراحل حياته. ولا شك أن هذه العقائد كانت في وقت ما جزءاً مفيداً من حضارتنا بيد أن هذه الأجزاء قد فقدت اليوم ضرورتها، ومدى إفادتها للمجتمع الحاضر المتطور".
ويقول(إنجلز):" إن كل القيم الأخلاقية هي في تحليلها الأخير من خلق الظروف الاقتصادية".
ويقول أستاذ أمريكي في طب الأعضاء:" لقد أثبت العلم أن الدين كان أقسى وأسوأ خدعة في التاريخ".
يقـول الدكتور (تامس ديود باركس):" لقـد أجمع علماء هذا العصر على صدق نظـرية " النشوء والارتقاء" وقد بدأت هذه النظرية تسود فعلا جميع فروع العلوم الحديثة. فكل مشكلة تحتاج (إلها) في تفسيرها توضع مكانه هذه النظرية بغير تردد".
أرأيتم هذه النظرية المسماه بالعلمية ما هو دورها؟
(أرثركيث) يقول:" إن نظرية النشوء والارتقاء، غير ثابتة علميا، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو (الإيمان بالخالق الخاص المباشر) وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه".
يقول: (برتراند راسل):" والإنسان وليد عوامل ليست بذات هدف. إن بدأه ونشوءه وأمانيه ومخاوفه وحبه وعقائده كلها جاءت نتيجة ترتيب رياضي اتفاقي في نظام الذرة والقبر ينهي حياة الإنسان ولا تستطيع أي قوة إحياءه مرة أخرى. إن هذه المجهودات الطويلة، والتضحيات والأفكار الجميلة، والبطولات العبقرية كلها سوف تدفن إلى الأبد مع فناء النظام الشمسي".
يقول محرر دائرة المعارف (العلوم الاجتماعية) تحت اسم (الدين):" وبجانب المؤثرات الأخرى التي ساعدت في خلق الدين فإن إسهام الأحوال السياسية والمدنية عظيم جداً في هذا المجال. إن الأسماء الإلهية وصفاتها خرجت من الأحوال التي كانت تسود على ظهر الأرض. فعقيدة كون الإله (الملك الأكبر) صورة أخرى من صور الملكية الإنسانية، كذلك الملكية السماوية صورة طبق الأصل للملكية الأرضية وكان الملك الأرضي القاضي الأكبر، فأصبح الإله يحمل هذه الصفات. ولقب (القاضي الأكبر الأخير) الذي يجازى الإنسان على الخير والشر من أعماله، هذه العقيدة القضائية التي تؤمن بكون الإله محاسباً ومجازياً لا توجد في اليهودية فحسب وإنما لها مقامها الأساسي في العقائد الدينية المسيحية والإسلامية".
وهــذا فارس أخر من فرسان عصر النهضة، عصر العلم، أستاذ البيولوجيا (هيكل) يهزي في كفره فيقول:" إإتوني بالهواء وبالماء وبالأجزاء الكيماوية وبالوقت، وسأخلق إنسانا". المضحك أن هذا (الشيء) عاجز عن أن يأتي وحده بما طلب ويطلب العـون، فكيف سيخلق إنسانا؟
هؤلاء بعضهم وهذى بعضاً من أقوالهم، ونهضتهم، التي راح علمائنا يلهجون بذكرهم ويسبحون بحمدهم، ويقدسونهم تقديساً، وتدرس أقوالهم وعلومهم كبديل كما قالوا هم... للدين.
وما قلناه وذكرناه من أقوالهم غيض من فيض وإلا فإنه لم يشذ من رجال عصر النهضة إلا النذر القليل، وهذا القليل كان أغلبهم، منتهى إيمانه، أن يعترف - بالكاد - بوجود خالق للكون وكفي، وهو إيمان لا يرقى في أحسن أحواله عن إيمان أبى جهل، وأبى لهب. فقد كانا يؤمنان بوجود الله وبأكثر من ذلك ورغم هذا فلم يعتبرا من المؤمنين طبقاً للقواعد الإسلامية.
وللأسف لم يخل علم من العلوم سواء الإنسانية أو المادية إلا وظهرت فيه نهضة على مثال ما ذكرنا. وقد كان أكبر علم حظي بنهضة فائقة هو علم الفلك يقول كبيرهم (جيمس جينز) معبراً عن مدى العلم الذي وصلوا إليه:" لا غرابة إذا كانت أرضنا قد جاءت صدفة نتيجة بعض الحوادث، وإذا بقى كوننا على حالته الراهنة لمدة طويلة مماثلة (لمدة حدوثه صدفة) فلا نستبعد حدوث أي شيء يمكننا قياسه على الأرض".
الدين والعلم

" الدين يتعارض مع العلم" فرية افتراءها الملحدون من التجريبيين وهم يشكلون غالبية علماء هذا العصر. ولأنه لا يمكن الجمع بين الاثنين في منطقهم، فقد اختاروا العلم وفضلوه على الدين وأعلنوا ذلك صراحة وبذلك ظهر المذهب الجديد (العلمانية).
والمؤمنون بالله يوقنون بأن الدين لا يمكن أن يتعارض مع العلم ويوقنون بأن العلم (الصحيح) لا يمكن أن يتعارض مع الدين. وأعتقد أن هذا هو الإيمان الحقيقي، ولو تعارض علم مع الدين أو العكس فالمؤمن يختار الدين والملحد سيختار العلم، ليس حباً فيه ولكن حباً في الكفر.
وإنني كواحد من المؤمنين بالتوراة والإنجيل والقرآن جميعاً لدي هذا اليقين أن هذه الكتب الثلاثة لا تتعارض أبداً مع العلم، وأن أي نظرية سليمة تثبت ستكون دون شك متوافقة مع هذه الكتب.
هناك فرق بين العلم والنظريات

العلم هو ما علم بالفعل وثبت بطرق الإثبات، ولم يعد سبيل إلى نقضه في أي وقت أو بأي وسيلة. وطرق الإثبات عديدة منها الحواس ومنها العقل ومنها التجربة ومنها الوحي.
المهم في هذه الطرق كلها: الصدق. وأعلى هذه الطرق مرتبة هو الوحي.
فالأمور التي نسميها علماً وثبتت بطريق الإثبات من المستحيل أن تتعارض مع الدين. أما الأمور التي نسميها نظريات فإنها قد لا تكون علماً ثابتاً وإنما مجرد وجهات نظر. وقد نختلف معاً في أمر واحد، ولا غضاضة بل لابد أن يحدث ذلك، لأن عمر الإنسان قصير، وقدراته محدودة، والناس فيما بينها فضلا عن اختلاف القدرات مختلفة الأهواء، فما أراه جميلا قد تراه أنت غير ذلك وما تراه أنت مفيدا قد أراه أنا غير ذلك.. وهكذا.
أما الحواس فقد تخدع، وجميع طرق الإثبات ما عدا الوحي تعتمد على الحواس. فقـد أقسم لك إنني شاهدت ماء في مكان ما وتكتشف أنت أنه سراب وتقسم أنت أنك شاهدت فلانا ثم لا يكون هو. وتقاطع فلانا لأنه مر أمامك وعينه في عينك ولم يبادلك التحية بينما هو يقسم أنه لم يرك وهو صادق رغم أن عينه فعلا وقعت عليك، لشرود ذهنه مثلا أو ضعف بصره.. أو غير ذلك.
حتى الدراسات التي يجريها الباحثون والاستطلاعات والاستفتاءات كل ذلك قد يخلص الباحثون فيها إلى نتيجة خاطئة غير سليمة رغم أنها أجريت على آلاف من الناس.
إذن فلو تعارض رأي إنسان أو وجهة نظره مع الدين فلا نكفر بالدين. ولكن نكفر بالنظرية أو الرأي أو التجربة أو المشاهدة لأن كل ذلك قد يكون فيه كذب أو خداع ولا نسميه أبدا علماً لأنه يتعارض مع الدين، أما الوحي فإنه صادق.
والدين هو العلم. هذا بالنسبة للمؤمنين - لأن الله تعالى هو الخالق وهو العليم فإن ورد شيء عن طريق الوحي فهو العلم. حتى لو تعارض هذا مع بعض النظريات لأن الأخيرة مجرد نظريات اعتمدت على الحواس التي تخدع والناس التي قد تكذب أو تجامل أو تخالف.
فهل يمكن أن يكون هناك تعارض بين العلم والدين لو ثبت عن طريق الوحي أن الأرض ليست جزاءًا من الشمس؟
ليس هناك تعارض، لأن العلم والحواس والتجربة والعقل لم يثبتوا أن الأرض جزء من الشمس ولم ير أحد من القائلين بهذه النظرية الأرض وهي تتكون.
ولو قال الوحي بأن الأرض ثابتة لا تدور فلا تعارض مع العلم لأنه لم يثبت بأي طريق من طرق الإثبات أنها تدور بل إن الحواس ترى الشمس هي التي تدور. ولم ير أحد الأرض وهي تدور فيخبرنا الخبر... وهكذا... ولا يخفي علي أحد أن ما نشاهده من دوران الكرة الأرضية في التليفزيون أو وسائل العرض المختلفة ما هو إلا من صنع الإنسان ذاته باستخدام أجهزة تقنية حديثــة كالكمبيوتر وغيره. فالإيمان يقتضي إذن أن اعتبر ما يتعارض مع الدين ليس علما. أما أن أكفر بالدين فهذا ليس حبا في العلم بل حبا في الكفر.
وهذا (ميريت ستانلى كونجدن) عالم طبيعي وفيلسوف يعترف ويقول:
" إن العلوم حقائق مختبرة، ولكنها مع ذلك تتأثر بالخيال الإنساني وبأوهام الإنسان ومدى بعده عن الدقة في الملاحظة وعدم الدقة في أوصافه واستنتاجاته ونتائج العلوم مقبولة داخل هذه الحدود. فهي بذلك مقصورة على الميادين الكمية في الوصف والتنبؤ وهي تبدأ بالاحتمالات وتنتهي بالاحتمالات كذلك، وليس باليقين. ونتائج العلوم بذلك تقريبية وعرضية للأخطاء المحتملة في القياس والمقارنات، ونتائجها اجتهادية، وقابلة للتعديل بالإضافة والحذف وليست نهائية. وإننا لنرى أن العالم عندما يصل إلى قانون أو نظرية يقول إن هـذا هو ما وصلنا إليه حتى الآن، ويترك الباب مفتوحا لما يستجد من التعديلات.
إن العلوم تبدأ بقضايا أو بديهيات مسلم بصحتها برغم أنها لا تستند على حقيقة فيزيائية ملموسة. وعلى ذلك فإن العلوم تقوم على أساس فلسفي. والخبرة الشخصية في العلوم كما في الفلسفة والدين هي المحك النهائي والملاذ الأخير الذي تختبر به جميع الحقائق في العلوم كما في الفلسفة والدين.
وبرغم أنه لابد أن تكون الحقائق والنظريات التي يصل إليها رجال العلوم قابلة للاختبار والتحقيق على أيدي غيرهم من العلماء فإن إدراكنا الشخصي للظواهر الطبيعة يعتبر أمرا نسبيا ويتوقف على ظروف خاصة بنا".
كما يعترف الدكتور (بول كلارنس ابد) كذلك بأن الحواس والتجارب والوسائل التي يتبعونها في معاملهم لا توصلهم إلى الحقيقة التي يفتقدها الإنسان فيقول:" وقد أدرك رجال العلوم أن وسائلهم وإن كانت تستطيع أن تبين لنا بشيء من الدقة والتفصيل كيف تحدث الأشياء فإنها لا تزال عاجزة كل العجز عن أن تبين لنا لماذا تحدث الأشياء".
إن العلم والعقل الإنساني وحدهما لن يستطيعا أن يفسرا لنا: لماذا وجدت الذرات والنجوم والكواكب والحياة والإنسان بما أوتي من قدرة رائعة. وبرغم أن العلوم تستطيع أن تقدم لنا نظريات قيمة عن السديم ومولد المجرات والنجوم والذرات وغيرها من العوالم الأخرى فإنها لا تستطيع أن تبين لنا مصدر المادة والطاقة التي استخدمت في بناء هذا الكون، أو لماذا اتخذ الكون صورته الحالية ونظامه الحالي".
هذان اعترفان من قطبين من أقطاب العلوم التجريبية يشهدان بأن وسائلهم لا توصل إلى الحقيقة، وعلى ذلك فيظل الإنسان في حاجة إلى الوحي ليعلم، ومفتقراً إلى الله ليعرف.
غير أن علماء الأرض الآن.. إلا من رحم ربك - استغنوا بعلومهم ووسائلهم ولم يعودوا بحاجة إلى الله، كبرا وعلوا. رغم أن هؤلاء قد رأوا بأنفسهم آيات الله، ولابد أنهم تيقنوا من قدرته تعالى ومن أنه الحق. يقول تعالى: ]سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ[ (فصلت:53).
(إيرفنج وليام توبلوتش) دكتوراه في العلوم الطبيعية يكشف لنا عن نفسية بعض زملائه وشعورهم تجاه الدين فيقول:" يميل بعض المشتغلين بالعلوم - في ظل ثقتهم الكبيرة... إلى الاعتقاد بأن العلوم قادرة على حل جميع المشكلات. فالحياة من وجهة نظرهم ليست إلا مجموعة من القوانين الطبيعية والكيماوية التي تعمل في مجال معين. وقد أخذ هؤلاء يفسرون الظواهر الحيوية المختلفة الواحدة تلو الأخرى، تفسيرات تقوم على إدراك السبب والنتيجة، والوجود من وجهة نظرهم لا يستهدف غاية وسوف ينتهي الأمر بعالمنا إلي الزوال عندما ينضب معين الطاقة الشمسية، وتصير جميع الأجسام هامدة باردة، تبعاً لقوانين الديناميكا الحرارية".
والرجل لم يكذب فيما قال، وقد أوردنا أقوالا لمثل هؤلاء تبين ما في نفوسهم ]قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ[ (آل عمران:118).
وانظروا إلى ما وصل إليه أحدهم من التطرف، يقول برتراند راسل:" ليس وراء نشأة الإنسان غاية أو تدبير. إن نشأته وحياته وآماله ومخاوفه وعواطفه وعقائده، ليست إلا نتيجة لاجتماع ذرات جسمه عن طريق المصادفة ولا تستطيع حماسته أو بطولته أو فكره أو شعوره أن تحول بينه وبين الموت. وجميع ما قام به الإنسان عبر الأجيال من أعمال فذة وما اتصف به من ذكاء وإخلاص مصيره الفناء المرتبط بنهاية المجموعة الشمسية ولابد أن يدفن جميع ما حققه الإنسان من نصر وما بناه من صروح المدنية تحت أنقاض هذا الكون إن هذه الأمور جميعا حقائق لا تقوى فلسفة من الفلسفات على إنكارها".
إن (برتراند) صاحب هذه النظرية وغيرها من النظريات ليلقى احتراما ومكانة بين علماء المسلمين تفوق ما يلقاه كثير من الأنبياء والمرسلين.
هذا هو حال كثير أو أغلب علماء هذا العصر من التجريبيين، اغتروا بما معهم من وسائل وما وصلوا إليه من علوم، هي في النهاية ومن وجهة نظر الإسلام ]كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ[ (النور:39) وهي كذلك فعلا حتى عند النابهين من هؤلاء التجريبيين يقول إيرفنج وليام:
" إن العلوم مهتمة بتحسين نظرياتها، وهـي تحاول أن تكشف عن كنه الحقيقة ولكنها، كلما اقتربت من هذين الهدفين زاد بعدها عنهما.
إن فكرتنا عن هذا الكون قائمة على أساس حواسنا القاصرة وعلى استخدام ما لدينا من الأدوات غير الدقيقة نسبيا".
ثم قلة منهم هي التي شهدت بوجود الله، لكن هذه القلة استنكفت أن تقيد نفسها بدين أو نحلة، ومن أمثال هؤلاء" أينشتاين" الذي ذكرنا كلمته التي يعتبر فيها أن مجرد الشعور الديني دون التقيد بنحلة أو ملة غاية العبقرية وهو يدعو لأن يقوم العلم والفن بإحياء هذا الشعور على الدوام عبر الأجيال.
يـقول (جـورج هـربرت بلونت) كبير المهندسين بجامعة كاليفورنيا وأستاذ الفيزياء التطبيقية" مجرد الاقتناع بوجود الله، لا يجعل الإنسان مؤمنا، فبعض الناس يخشون من القيود التي يفرضها الاعتراف بوجود الله على حريتهم، وليس هذا الخوف قائما على غير أساس فإننا نشاهد أن كثيرا من المذاهب المسيحية حتى تلك التي تعتبر مذاهب عظمى تفرض نوعا من الديكتاتورية على العقول. ولا شك أن هذه الديكتاتورية الفكرية إنما هي من صنع الإنسان، وليست بالأمر اللازم في الدين، فالإنجيل مثلا يسمح بالحرية الفكرية حينما يقول:" قال الرب: أقبل علينا ودعنا نفكر معا" ثم يقول مختتماً" وأعتقد أنني قد آمنت بالله بهذه الطريقة".
وإنني أعتقد أن هذا هو إيمان معظم علماء العصر الذين يدينون بالعلمانية والذين تدرس أقوالهم ونظرياتهم في مدارس وجامعات المؤمنين بالكتب المقدسة.
القرآن والعلم
المؤمنون بالقرآن، يعلمون جيدا أن القرآن يحض على العلم، ويحث على التعليم ولا خوف من العلماء لأنهم كما قال: ]إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[ (فاطر:28). أي أن أكثر الناس خشية لله وتوقيرا له هم العلماء وفي الحديث المروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن العالم أشد على الشيطان من ألف عابد".
وعلى ذلك فالتجريبيون ليسوا بعلماء لأنهم لا يخشون الله، بل لا يؤمنون به. لذلك أجدني متحرجاً أن أذكرهم بلفظ العلماء. لأن العالم هو المؤمن بالله، ولا يمكن أن يكون هؤلاء علماء، ومن الخطأ إطلاق هذا اللفظ عليهم، إن لم يكن أيضا مخالفة لقول الله هذا.
ولقد نبغ رجال أيام السلف في علم الفلك دون الدين، فلم يسمهم الفقهاء بعلماء الفلك وإنما كانوا يلقبونهم بلفظ (أهل الهيئة) أي أهل الفلك. لأن العالم لابد أن يكون عالما بالله كأمــر سلم به.
إن أول آية وأول كلمة وردت في القرآن - الرسالة الأخيرة للبشر- الأمر بالتعليم قال تعالى: ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [ (سورة:العلق). بل إن الآية رقم 9 من سورة الزمر لم تسو بين المؤمنين في المكانة بل فرقت بينهم، يقول تعالى ]قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ[ ] يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ[ (المجادلة:11). وأخبر الله تعالى المؤمنين بأنه أنعم على آدم أبى البشر بالعلم قبل أن ينزل إلى الأرض ]وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا[ (البقرة:31) هكذا فعل تعالى مع أول الأنبياء وأما آخر الأنبياء فقد أوحي إليه ]وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا[ (طه:114) ولم يوح إليه أن يطلب الزيادة في شيء إلا في العلم، ولذلك قال e" طلب العلم فريضة على كل مسلم". وقال" من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة". والآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي توصى وترغب في العلم وتعلي مكانة العلماء أكثر من أن تحصى، فكيف يقال بعد ذلك إن الدين يتناقض مع العلم؟
الحق أن الذي أتى به العلمانيون والتجريبيون لا يسمى علماً، لأنه لا يعد علماً، وأقولها وأعلنها لكل أهل الأرض: أن كل علوم العصر منذ بداية عصر النهضة إلى الآن باطلة، ولا تمت للحقيقة بصلة، أعنى بذلك العلوم الكونية. أما غيرها من العلوم فإني أشهد لهم بها، ولم لا أشهد وقد شهد الله لهم بذلك حيث قال تعالى ]يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ[ ( الروم:7). فهم علماء في الماديات المتعلقة بالحياة الدنيا ومتعتها ووسائل عمرانها وزخارفـها، فهم عالمون في الهندسة والرياضة والمواصلات والاتصالات والكيمياء والكهربائيات والأدوات المنزلية، وعموما كل ما هو متعلق بشئون دنياهم ووسائل تمتعهم بها ورغم ذلك فهم لا يعدون من العالمين فقد وصفهم الله تعالى بأنهم ]غَافِلُونَ [.
أكرر: كل علوم أهل الغرب أو الشرق المتعلقة بالكونيات: باطلة.
لذلك فإنني اتباعا لأمر الله وآياته أطلق لفظ العالم على علماء الدين. أما أهل المعامل والتجارب فأسميهم (التجريبيون). فالأولون أتباع الوحي الإلهي والآخرون أتباع التجارب المعملية، ثم هناك أهل التفكير العقلي وهم (الفلاسفة).
وعلى الرغم من كل ما أوتيَ هؤلاء من وسائل وتقدم في الآلات والأجهزة وعلى ما عندهم من كم هائل من المعارف على ما فيها من الغث والسمين، والنافع والضار، فإنهم لا يقدرون على تخطئة الكتب المقدسة أو يثبتون تناقضها مع الدين، لأن العلم الثابت لا يتناقض البتة مع الدين، إنما التناقض بينه وبين نظرياتهم الكونية الخاطئة.
يؤيدني في ذلك عالم الرياضيات والفيزياء (ايرل تشستر ريكسى) بقوله:" إنني أجد بوصفي من المشتغلين بالعلوم أن النتائج التي وصلت إليها بدراستي العلمية عن الكون وعن الله تتفق كل الاتفاق مع الكتب المقدسة التي أومن بها وأعتقد في صدق ما جاءت به عن نشأة الكون وتوجيه الله له وقد يرجع ما نشاهده أحيانا من التعارض بين ما توصلت إليه العلوم وبين ما جاء في هذه الكتب المقدسة إلى نقص في معلوماتنا".
" والنظريات الحديثة التي تفسر نشأه الكون والسيطرة عليه بصورة تخالف ما جاء في الكتب السماوية، تعجز عن تفسير جميع الحقائق وتزج بنفسها في ظلمات اللبس والغموض. وإنني شخصياً أومن بوجود الله وأعتقد في سيطرته على هذا الكون".
حقا إن النظريات الحديثة التي تفسر الكون والسيطرة عليه تخالف ما جاء في الكتب السماوية، وكنت أود لو درس المنصفون من أتباع عيسى روح الله أو موسى كليم الله القرآن الكريم، نعم وددت لو درسوه دراسة الرسالات العلمية التي يناقشونها فلو كان ذلك قد تم لما كانت النظريات الحديثة بهذه المخالفة الصارخة للدين، ذلك أن نص الإنجيل ونص التوراة الموجودين الآن بأيدي الناس ليس فيهما هذه الاستفاضة التي في القرآن من علوم ومعارف هذا العصر.
كذلك لا يشك منصف أن بعض آيات الكتابين لحقهما تأليف وتحريف، ليس من أبناء هذا العصر، ولكن ذلك منذ قرون عديدة، قرون قريبة من نشأة الكتابين.
أما القرآن فهو الكتاب الوحيد الذي لا يحتوى على حرف من كلام البشر، وليس ذلك بسبب حرص المسلمين على سلامة نصه، لا.. لا.. فلو ترك الأمر لهم، للحقه تحريف وتأليف أضعاف الموجود الآن بالعهدين القديم والجديد، هذا إن بقيت منه آيات على هيئتها التي أنزلت بها من عند الله. ولكن عناية الله سبقت، ورحمته حفظت. قال تعالى ]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[ (الحجر:9).
كنت أود أن يفعل علماء الغرب ذلك، وأن يدرسوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتراث المسلمين. ولو فعلوا ذلك لغيروا من العلوم والمعارف الموجودة الآن أما لو كان للإسلام علماء لقاموا هم بذلك.. ولكن أين هم الآن؟
إن ببلاد الإسلام كثيراً من الأسماء التي تسمى بالعلماء، وهناك مئات الآلاف في ربوع الأرض يحفظون القرآن عن ظهر قلب، بينما كان في عصر رسول صلى الله عليه وسلم عدد من يحفظون القرآن أربعة، ليس أربعة آلاف بل أربعة رجال فقط ومع ذلك كان كل الرجال والنساء في عهده e علماء.
أما الآن فهذه الآلاف التي تحفظ القرآن لا يطلق عليهم علماء. وإلا لكان لدى المسلمين مئات الآلاف من العلماء، ولما أصبح حالهم هذا الحال. حفظة القرآن الآن يتبعون برتراند رسل وهيكسلى وجيمس جينز وجاليليو ونيوتن وأينشتاين. فما فائدة القرآن الذي معهم؟
لقد أخبر الله تعالى بأن هذا القرآن نور ]فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرسولهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا[ (التغابن:8) وأخبر تعالى بأن الذين كذبوا به في الظلمات، وأخبرنا تعالى بأنه جازى الذين كفروا بهذا النور بأنه ]ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ[ (البقرة:17).
أليس هذا كلام الله؟ أليست هذه آيات الله؟ هل يعقل أن الذين يحملون النور يسيرون وراء الذين تركهم الله في ظلمات لا يبصرون؟ هل يعقل هذا؟
أو ليس هذا هـو الذي يحدث من كل من نطلق عليهم علماء، سواء أكانوا في الكيمياء، أو الطبيعة، أو الفلك، أو الرياضيات، أو الزراعة، أو الجغرافيا، أو الفلسفة أو المنطق أو القانون أو التاريخ، أو العلوم الشرعية الإسلامية، هل هناك علم من هذه العلوم أو غيرها لا يتبع الرءوس فيها والأساتذة نظريات علماء الغرب؟ يا رباه.. كيف يسير حاملو النور خلف الذين لا يبصرون؟ إنه لأمر عجاب !!
كيف يتبع المؤمنون الكافرين ويسايرونهم؟ هل هؤلاء الذين ذكرنا أسماءهم من علماء الغرب يؤمنون بالقرآن؟ هل يؤمنون بالإسلام؟ هل يؤمنون بمحمد e؟ إنهم ]فِي ظُلُمَاتٍ لايُبْصِرُونَ[ (البقرة:17) لقد وصف الله تعالى هؤلاء وصفا دقيقاً في سورة (النور) حتى نعرفهم ونعلم أمرهم ومدى علمهم وحقيقة أعمالهم. يقول تعالى ]وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءه لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب ِ(39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور ٍ(40)[ فماذا نقول الآن عن علمائنا– في كل مجال–الذين يتبعون هؤلاء، وكلهم يفعل ذلك دون استثناء؟ ماذا يفعل العوام والجهلة الذين أحالهم الله إلى هؤلاء العلماء ليتعلموا منهم فقال: ]فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[ (النحل:43).
أخرج الإمام أحمد بإسناده عـن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة".
وكما أن انطماس النجوم من علامات القيامة فذهاب العلم كذلك من علاماتها روى البخاري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن من أشراط الساعة، أن يرفع العلم ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا" وروي البخاري أيضا عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
وأحسب أن نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحققت ونحن الآن نعيش فعلا مقدمات يوم القيامة. وإلا فأين هم العلماء المتبعون لكتاب الله وسنة رسوله؟ أين علماء الإسلام الذين يوجهون علماء الغرب إلى الصواب لأن معهم النور؟.. أين هم؟
سأل (فرقد السبخي) الحسن البصري عن شيء فأجابه فقال:" إن العلماء يخالفونك" فقال الحسن البصري:" ثكلتك أمك فريقد، وهل رأيت عالما بعينك؟ إنما العالم الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم علي عبادة ربه، الكاف عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم".
ترى أيها السادة: هل ترون علماء؟؟
عموما سنتغاضى عن التعريف الدقيق للفظ العالم وسنعتبر من نراهم حولنا فعلا علماء، عليهم إذن قدر استطاعتهم أن يخرجوا بنا من الظلمات إلى النور، ولا يتبعوا الذين لا يبصرون.
تلفيق لا توفيق
إن مجرد الإيمان بوجود الله لا يعتبر إيمانا، وأن الإيمان الذي ينفع صاحبه، لابد أن يكون كما يريد الله لا كما يريد المؤمن، والله تعالى يريد من المؤمنين به أن يلتزموا التزاما كاملا بكلامه، وأن يتبعوا آياته، وفي نفس الوقت لا يتبعون غيرها، بل إنه تعالى حذر الذين لا يستجيبون لكلامه أنه سوف يستبدل بهم غيرهم. وهو تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وليس فيما طلبه الله مشقة على الأنفس ]يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ[ (البقرة:185) ]يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ[ (النساء:28) فإذا ما اتبع المؤمنون آيات الله نالوا رضاه، ليس من المهم بعد ذلك أن يذنبوا أو يخطئوا فإنه تعالى سيغفر لهم إن تابوا. المهم اتباع منهج الله يقول تعالى في سورة النساء ]وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ ال لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[.
إن الله تعالى يقسم ]فَلا وَرَبِّكَ[ إنهم لا يؤمنون ولا يعتبرون مؤمنين إلا إذا كمل إيمانهم باتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاهم بما يقول ويأمر، وتسليم أمرهم تماما لله.
لقد وصل الحال بعلماء الأرض الآن إلى أنهم اغتروا بمجرد الاعتراف بوجود الله. أو بمجرد الإيمان بأن محمدا الله والقرآن كتاب الله وكفي وكأنهم يمنون على الله بإيمانهم. إن الله تعالى لا يريد من عباده أن يمنوا عليه بإيمانهم ]بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُم[ (الحجرات:17) إنه يريد عبادا متعلقة أرواحهم به تعالى، خالصة قلوبهم بحبه، متذللة أجسادهم بعبادته، مطيعين لأوامــره، مستمسكين بكتابه، متبعين لآياته، يرجون رحمته ويخافون عذابه وليس مجرد شعارات تردد وكلمات يلقى بها. ولا يريد من أوليائه أن يكلفوا أنفسهم ما لا يطيقون، ولا فيما أمر مفرطون أو مفرَطون. ولا يريد من الدعاة إلى دينه أن يسلكوا في الدعوة إليه سبيلا غير السبيل الذي حدده لهم ودون تملق لأحد أو مداهنة أو تنازل عن مبدأ لقبول مبدأ آخر، وهو تعالى يأمر الدعاة أن يدعوا الناس ليسلموا له دون قيد أو شرط، لأن الإسلام حق له تعالى، ثم إن فيه سعادةً للناس وخيراً في الدنيا والآخرة.
وإن الداعية مطالب ببذل عناية، وليس بتحقيق غاية. والقاعدة الإلهية تنص على ]إِنَّكَ لاتَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين[ (القصص:56). غير أن علماء المسلمين وأقول حرصا منهم على الدين، راحوا ينشرون ويدرسون مبادئ (إسحاق نيوتن) في الجاذبية، ونظرية (تشارلز دارون) في النشوء والارتقاء و(ألبرت أينشتاين) في قانونه للنسبية، وهذه كلها ما وضعت إلا لمعارضة الدين، وقد أقنع هؤلاء وغيرهم أهل الأرض أن الكون مرتبط بقوانين ثابتة، تتحرك في نطاقها الأجرام السماوية وكل شيء في الكون من الأرض إلى السماء خاضع لقانون معلوم سموه (قانون الطبيعة) وإن الكون لا يحتاج - لقيامه بهذه القوانين - لإله يحكمه ويحركه.
وقد شهدوا هم بذلك واعترفوا فقال (تاس ديودباركس):" لقد أجمع علماء هذا العصر على نظرية النشوء والارتقاء وقد بدأت هذه النظرية تسود فعلا جميع فروع العلوم الحديثة، فكل مشكلة تحتاج (إلها) في تفسيرها توضع مكانه - أي مكان الإله - هذه النظرية بغير تردد".
بينما يقول (أرثركيث) ليكشف سر هذا الإجماع أيضا:" إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميا، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان ونحن لا نؤمن بها، إلا أن الخيار الوحيد بعد ذلك هو (الإيمان بالخالق الخاص المباشر) وهذا مالا يمكن حتى التفكير فيه".
كيف إذن نقول بأن هذه النظريات متوافقة مع الكتب المقدسة وهي - كلها - لم توضع إلا لنقض الدين؟
في شجاعة يعترف العالم المسلم (وحيد الدين خان) ويقول في كتاب (الإسلام يتحدى) إنه وقع في هذا الخطأ عندما كان يحاضر في إحدى الجامعات باستعراض نظرية علمية أراد إثبات توافق الدين معها وأشار إلى مقال لفرويد فقال:" فوقف أستاذ لعلم النفس، أثناء فترة الأسئلة وقال: لقد أشرتم إلى مقال لفرويد تأييداً لنظرية دينية، على حين يعارض فرويد معارضة كاملة تلك النظرية التي تمثلونها".
إن هذا النهج سلكه علماء المسلمين الآن، يستدلون على أمور دينية بأقوال لرجال تجريبيين، بينما هؤلاء يعارضون الدين بالكلية، بل إن ما قالوا به كان بديلاً عن الدين كما رأينا.
ولم يترك علماؤنا نظرية من النظريات إلا أتوا بها وعرضوها كثبت علمي ثم جاءوا بآيات ما على أنها سبق ديني. وهكذا توافقت جميع النظريات، ما ثبت منها وما لم يثبت مع قرآنهم.
أليست كارثة أن نقرأ ما يقوله بعض علمائنا الأفاضل: إن العلم أثبت أن الشمس ستكف عن إرسال أشعتها بعد 50 بليون سنة وأن الأرض ستكف عن الدوران عند ذلك، ويقولون: وهكذا أثبت العلم الحديث أن هذا الكون سينتهي وهو ما أخبر عنه القرآن منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة.
هـل يعقل هذا؟ هل قال الدين ذلك؟ إن هذا تكذيب صــريح لله تعالى الذي قال ]اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ[ (القمر:1) ]أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ[ (النحل:1) ]اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ[ (الأنبياء:1). هذا مثال.. وغيره كثير.
والغريب أننا لم نسمع أن أحدهم مرة واحدة استخرج من القرآن حقيقة علمية يجهلها الناس ثم يثبتها العلم بعد ذلك، بل إنهم يقفون بالمرصاد لأي نظرية تقال ويستخرجون لها بعد ذلك ما يثبتها ويؤيدها من القرآن.
ويحلل (وحيد الدين خان) ما يقوم به علماؤنا فيقول:
" هناك من علمائنا من يدركون موقف الفكر الحديث من قضية الدين ولكنهم لشدة تأثرهم بالفكر الحديث، يرون أن كل ما توصل إليه أئمة الغرب يعد من (المسلمات العلمية) ومن ثم تقتصر بطولاتهم على أساس أن هذه النظريات التي قالها علماء الغرب هي نفس ما ورد بالقرآن الكريم، وكتب الأحاديث الأخرى، وهذه الطريقة في التطبيق والتوفيق بين القرآن وغيره هي نفس الطريقة التي تتبعها شعوب الحضارات المقهورة تجاه الحضارات القاهرة وأية نظرية تقدم على هذا النحو يمكنها أن تكون تابعة ولكنها لا يمكن أن تكون رائدة ولو خيل إلى أحدنا أنه يستطيع تغيير مجال الفكر في العالم بمثل هذه المحاولات التوفيقية، ليشرق على البشرية نور الحق فهو هائم ولا شك في عالم خيالي، لا يمت إلى الحقائق بسبب، فإن الأفكار والمعتقدات لا تأتى من طريق التلفيق. بل عن طريق الثورة الفكرية".
وسنرى في طيات هذا الكتاب العجب العجاب لمحاولات التوفيق بين نظريات هذا العصر والقرآن.
الكتب المقدسة والمعطيات العلمية
ليس معنى قولنا بتناقض النظريات المعاصرة مع الكتب المقدسة أن هذه الكتب لا تحتوى على علوم ومعارف كونية، بل الأمر عكس ذلك تماما فكل ما في السموات والأرض مذكور في الكتب من بداية الخلق حتى نهايته، بل فيها علم عما فوق السموات حتى العرش وما تحت الأرض حتى أسفل سافلين.
وقد عاتبت علماء الغرب من المؤمنين أنهم لم يتناولوا بالدراسة الكتاب الأخير الذي أنزله الله على محمد. ولو كانوا فعلوا ذلك لتغيرت نظريات كثيرة من المعروضة علينا الآن، وقد قام واحد فقط من هؤلاء العلماء، ليس فقط بدراسة القرآن، بل وأيضا بمقارنته مع الكتب المقدسة الأولى، ثم بمقارنتهم جميعا مع المعطيات العلمية الحديثة، وسأورد خلاصة ما توصل إليه العالم ليس لاتفاقي الكامل معه، بل لانفراده وريادته لهذا النهج الذي كان ينبغي أن يفعله من يريد العلم والوصول إلى الحقائق.
(موريس بوكاي) عالم فرنسي شهير. قال في مقدمة كتابه القيم: (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف العلمية الحديثة):
" لقد كانت مقابلة النصوص للكتب المقدسة أمراً لازماً لصحة النص المقدس، ولكن تطور العلم كشف للمفكرين عن وجود نقاط خلاف بين الاثنين وبهذه الطريقة خلق ذلك الوضع الخطير الذي جعل اليوم مفسري التوراة والإنجيل، يناصبون العلماء العداء إذ لا يمكن في الحقيقة أن نقبل بأن رسالة إلهية منزلة تنص على واقع غير صحيح بالمرة".
أما عن الإسلام كرسالة فيقول بوكاي:
" إن الإسلام قد اعتبر دائما، أن هناك اتفاقا بين معطيات الكتاب المقدس والواقع العلمي. وإن دراسة نص القرآن في العصر الحديث لم تكشف عن الحاجة إلى إعادة النظر في هذا. فالقرآن يثير وقائع ذات صفة علمية، وهي وقائع كثيرة جداً، خلافاً لقلتها في التوراة، إذ ليس هناك أي وجه للمقارنة بين القليل جدا لما أثارته التوراة من الأمور ذات الصفة العلمية وبين تعدد وكثرة الموضوعات ذات السمة العلمية في القرآن، وأنه لا يتناقض موضوع ما من مواضيع القرآن العلمية مع وجهة النظر العلمية. وتلك هي النتيجة الأساسية التي تخرج بها دراستنا".
يقول أيضا:
" إن الدراسة التي نقدمها الآن تختص بما تنبئنا به الكتب المقدسة فيما يتعلق بالظواهر الطبيعية الكثيرة ولابد من الملاحظة أن الوحي القرآني غنى جداً في تعدد هذه المواضع وذلك على خلاف ندرتها في العهدين القديم والجديد".
ثم يذكر ما توصل إليه من دراسته قائلا:
" لقد قمت أولاً بدراسة القرآن الكريم وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة، باحثاً عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث. وكنت أعرف قبل هذه الـدراسة أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظواهر الطبيعية لكن معرفتي كانت وجيزة.
وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي علي أي مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم، في العصر الحديث.
وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والإنجيل، أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول أي سفر التكوين، فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخا في عصرنا وأما بالنسبة للأناجيل فما نكاد أن نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة ونعنى بها شجرة أنساب المسيح. ذلك أن نص إنجيل (متى) يناقض بشكل جلى إنجيل (لوقا)، وإن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمرا لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان علي الأرض.
غير أن وجود هذه الأمور المتناقضة وتلك التي لا يحتملها التصديق، وتلك الأخرى التي لا تتفق مع العلم، لا يبدو لي أنها تستطيع أن تضعف الإيمان بالله ولا تقع المسئولية فيها إلا على البشر".
ثم وصل (بوكاي) إلى القرآن. وبعد دراسته الدراسة المستفيضة التي بلغت به إلى أن يتعلم اللغة العربية حتى يفهم النص القرآني من مصدره دون الاعتماد على الترجمات حتى أنه سافر إلى مهبط الوحي ليتحرى الدقة في المعلومات فقال:
" الواقع أننا إذا استثنينا اليوم بعض الحالات النادرة نجد أن غالبية العلماء وقد تشربوا النظريات المادية لا يكنون في غالب الأحيان إلا عدم الاكتراث أو الاحتقار للمسائل الدينية. وكثيرا ما يعتبرونها مؤسسة على أساطير. وزيادة على ذلك فإننا، عندما نتحدث في بلادنا الغربية عن العلم والدين نغفل ضم الإسلام إلى اليهودية والمسيحية. فالأحكام غير الصحيحة والمؤسسة على مفاهيم مغلوطة والتي صدرت ضد الإسلام هي من الكثرة بحيث يصعب جدا علي المرء أن يكون فكرة سليمة عما عليه الإسلام في الواقع".
ثم خلـص بوكاي مـن دراسته للقرآن ومقارنته مـع المفاهيم العلمية الحديثة إلى أن قـال:" وتناولت القرآن منتبها بشكل خاص إلى الوصف الذي يعطيه عن حشد كبير من الظاهرات الطبيعية. لقد أذهلتني دقة بعض التفاصيل الخاصة بهذه الظاهرات وهي لا يمكن أن تدرك إلا في النص الأصلي. أذهلتني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن نفس هذه الظاهرات والتي لم يكن ممكناً لأي إنسان في عصر محمد e أن يكون عنها أدنى فكرة.
إن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه هذا النص لأول مرة هو ثراء الموضوعات المعالجة، فهناك: الخلق وعلم الفلك وعرض لبعض الموضوعات الخاصة بالأرض وعالم الحيوان وعالم النبات والتناسل الإنساني وعلى حين نجد في التوراة أخطاء علمية ضخمة.. لا نكتشف في القرآن أي خطأ. وقد دفعني ذلك لأن أتساءل:" لو كان كاتب القرآن إنسانا، كيف استطاع في القرن السابع الميلادي المسيحي أن يكتب ما اتضح أنه يتفق اليوم مع المعارف العلمية الحديثة؟".
وعن صحة نص القرآن يقول (موريس بوكاي):" صحة القرآن التي لا تقبل الجدل تعطي النص مكانة خاصة بين كتب التنزيل ولا يشترك مع نص القرآن في هذه الصحة لا العهد القديم ولا العهد الجديد".
ومع تقديري الشديد لإجراء الأستاذ بوكاي لهذه المقارنة الفريدة وما توصل إليه من نتائج فإنني لا أوافقه على التسليم بأن القرآن متفق تماما مع المعطيات العلمية الحديثة، ولا أن التوراة والإنجيل مختلفة تماما معها، فيما هو متعلق بالعلوم الكونية وسنرى ما يؤيد ذلك. وبالطبع ليس الخطأ في القرآن أو التوراة أو الإنجيل بل.. في العلوم الحديثة.
القرآن تبيان لكل شيء
لقد وصف الله تعالى الذين كذبوا بآياته وبه - والتجريبيين منهم – بأنهم (غافلون، لا يعلمون، لا يبصرون، لا يفقهون، لا يوعون)، هكذا وصفهم الله في
القرآن. وأخبر تعالى أنهم يعيشون في الظلمات، وأن أعمالهم كسراب.
وصرف الله تعالى أمثال هؤلاء عن آياته فلا يستفيدون منها.. ولا يعلمون فمن ثم لا أقتنع أبدا - ولو اقتنع أهل الأرض - أن هؤلاء والقرآن يتوافقون.
ومع ما يقوله الله تعالى عنهم فكيف، وبأي عقل تنطبق آيات الله مع علومهم؟
عقيدتي التي أرجو أن يكون عليها آخرون، أن القرآن لديه رؤية صادقة وصحيحة عن الكون تختلف جملة وتفصيلا عما يقوله الآن علماء الأرض.
وعقيدتي أن القرآن فيه كل شيء عن هذا الكون مفصلاً تفصيلاً دون إبهام ودون غموض، وأنه يعطى الباحثين عن الحقيقة ما يريدون ماداموا يريدون اتباع آيات الله، وليس مجرد الرغبة في حفظه، لأن القرآن أنزله الله ليتبع ويعمل به: ومن أجل ذلك فصّل الله آياته تفصيلاً.
هذا هو دور الكتاب الذي أنزله الله تعالى، العليم الخبير، على عباده ]وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[ (النحل:44) ]وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ[ ( النحل:64) ]وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ[ (النحل:89) أما أن يكون الغرض من القرآن أن يقرأ في السرادقات على الأموات. أو أن يعلق على صدور الكاسيات العاريات، أو على الجدران في البيوت والمحلات، أو خلف الراكبين في السيارات، أو يترنم ببعض آياته في الافتتاحيات، أو يتبرك به في المناسبات أو حتى تردد آياته في الصلوات، أو يتثبت من صدقه بتطابقه مع النظريات، كل هذا ليس دور الكتاب ولا له نزل.
لقد صرف الكتاب عما أنزل له، واقتصر دوره على هذه الأمور. والأصل أنه نزل لتتبع آياته ويعمل بما فيها، فالإتباع هو المهمة الأساسية والجوهرية من الكتاب، ومن أجل ذلك جاء أن الكتاب ]تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ[ ونزل الوحي على الله صلى الله عليه وسلم بتفسير لكل شيء. وعلم الصحابة منه كل شيء.
ومن قال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسر القرآن فقد كذب على الله واتهم الله بعدم تبليغ الرسالة وأداء الأمانة ولم يفعل ما أمره الله به يقـول تعالى ]وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون[ (النحل:44) وقـال: ]وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ[ (النحل:64) فالذكر في الآية الأولى غير الكتاب في الآية الثانية. فيكون معنى الذكر في الآية الأولي: ما أوحاه الله تعالى له من أحاديث نطق بها، فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبهم فهمه على بعض الناس بما أنزله الله عليه من الذكر وهي الأحاديث.
وقد يقول البعض إن الكتاب إنما نزل للتعبد ومن ثم فليس من الضرورة أن يحتوى على علوم الفلك والهندسة والفيزياء والزراعة والطب.. وغيرها، وهذا لأن القرآن رسالة تعبدية فلا ينتظر أن يعطينا أي قواعد تتعلق بهذه العلوم.
إن الآيات التي بين أيدينا تفيد أن الله تعالى فصل كل شيء، وبين كل شيء هكذا تقول الآيات، وهو ما يفهم منها أيضا ولذا يقول تعالى:
]الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ[ (هود:1)
]كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ[ (الأعراف:2)
]وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[ (النحل:89)
]وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا[ (الإسراء:12).
إذن فالله تعالى لم يحدد في الكتاب أنه فصل أمور العبادة والتقرب فقط، فالآيات تطلق التفصيل والتبيين، وكذلك أحاديث النبي e مفصلة ومبينة كذلك. لكن ترى أيكون كل ما في الكون من كبير وصغير، وجليل وحقير، وحلال وحرام، وخير وشر، وفنون وعلوم، وأفعال وأسماء، وأحداث وتاريخ، كل ذلك مبين في كتاب الله؟
إن الآيات مطلقة. لكن ما قول علماء المسلمين والمفسرين في هذه الآيات؟
قال الشوكاني في تفسير قوله تعالى ]وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا[ أي كل ما تفتقرون إليه في أمر دينكم ودنياكم بيناه تبيينا واضحا لا يلتبس. وعند ذلك تزاح العلل وتزول الأعذار ليهلك من هلك عن بينة.
وعـن معنى ]وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[ قال: ومعنى كونه تبيانا لكل شيء أن فيه البيان لكثير من الأحكام والإحالة فيما بقى منها على السنة وأمرهم بإتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يأتي من أحكام وطاعته، كما في الآيات القرآنية الدالة على ذلك. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إني أوتيت القرآن ومثله معه".
فتفسير الآية الأولى يدل على أن الله تعالى فصل في كتابه وفي سنة رسوله كل ما يحتاج إليه الناس في دنياهم وآخرتهم، حيث يقعون في الحرج والضيق والمشقة والاختلاف لو تخلف بيان شيء مما يفتقرون إليه.
والآية الثانية تفيد أن الكتاب والسنة بينا كل الأحكام، التي يحتاج إليها الناس ولكن هذا البيان سيكون فيه ]هُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[ وخص المسلمين بهذه الثلاثة لأنهم هم المنتفعون بهذا التفصيل وهذا البيان. غير أن الله تعالى في عدة آيات يبين أن هذا التفصيل ليس لعموم الناس وإنما لفئات معينة حددها تعالى في آياته وهم وحدهم الذين يفهمون هذا التفصيل بإعمال القلب والفكر والتدبر حتى تستخلص الآيات والمنافع أياً كانت.
وقد حدد الله سبعة أصناف إذا وجدت فسيكون كل شيء مفصلا لهم وهم: (العلماء، الفقهاء، المؤمنون، والمذكرون، المفكرون، العاقلون، المتقون) فهؤلاء السبعة فقط هم الذين يتفهمون تفصيل الآيات:
(1) ]قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[ (الأنعام:97)
(2) ]قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ[ ( الأنعام: 98)
(3) ]بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[ (الأعراف:52)
(4) ]قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ[ (الأنعام:126)
(5) ]كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[ ( يونس:24)
(6) ]كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[ (الروم:28)
(7) ]إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمـَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ لآيات
لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ[ (يونس:6).
فإذا توافرت صفة من هذه في أحد فلا شك أن آيات الله في الكتاب وفي الكون ستكون مفصلة مبينة له. ولكن لأي أمر فصل الله آياته وبينها هذا البيان الشامل؟ إنه تعالى أراد بأن يستفاد من هذه الآيات في الدنيا ويستفاد بها للآخرة. المهم أن تكون الغاية في سبيل الله، لأنه تعالى ما أوجد خلقه إلا ليعبدوه: ]وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلا لِيَعْبُدُون ((الذاريات:56) ويقول تعالى ]قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ (الأنعام:162). فلا تكون الآيات مفصلة ومبينه لأمور يعمل بها في الترف أو السرف، أو الشر أو الضر. قـال تعالى عـن علة تفصيل الآيات: ]وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[ (الأعراف:174) بعـد قوله تعالى ]كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[ (يونس:24) ]لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ[ (الرعد:2) بعد قوله تعالى ]يُفَصِّلُ الآيَاتِ[ ]وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ[ (الأنعام:55). والمتبع للآيات الواردة قبل قوله تعالى] قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ[ (الأنعام:126) أو ]وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ[ (الأنعام:55) يجد أن الله تعالى لم يدع شيئا مما يهم الإنسان إلا وفصله وبينه تبياناً.
بعد ذلك يتملكنا العجب من قوم بين أيديهم آيات مفصلة لكل شيء ومبينه لكل شيء ثم يتسولون العلوم والمعارف ممن أخبر تعالى أنه سيصرفهم عن آياته ]سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ[ (الأعراف:146).
أليـس من العجب أن أقواما بين أيديهم نور ومن خلفهم نور وعن يمينهم نور وعن شمائلهم نور ومن فوقهم نور ومن تحتهم نور ويلتمسون العلم والنور ممن يعيشون في الظلمات؟ لقد سمى الله كتابهم (نور) ]وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا[ (النساء:174) وسمى هم (نور) ]قَدْ جَاءكمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ[ (المائدة:15) ودينهم (نور) ]وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ[ (المائدة:16) وطريقهم (نور) ]أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ[ (الأنعام:122) وربهم تعالى (نور) ]اللَّهُ نُورُ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ[ (النور:35). أما هؤلاء الذين يلتمسون منهم العلم والنور فهم في الحقيقة الأكيدة في الظلمات: ]وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ[ (الأنعام:39).
إن كل علم يأتي من غير المؤمنين هو في الحقيقة جهل وضلال وكذب. وكل ما يتخيل أنه نور هو في الحقيقة وهم وسراب. وكل اتباع لمثل هذا يقابله ترك لآيات الله. وكل عدم إتباع يقابله ابتداع وفي الحديث" كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".

أناشد المؤمنين بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، وخاصة العلماء، أن يكفوا عن إتباع صناع عصر الإلحاد، وإلا فإنهم سيتبرءون منهم يوم القيامة. وأن يكفوا عن عمليات التوفيق بين ما يسمونه علما، وبين آيات القرآن العظيـم لأن ذلك - حقيقة - تلفيق لا توفيق، ولا تستوي الظلمات والنور.
علماؤنا الأجلاء
خذوا ما آتاكم الله بقوة، وكفى تمييعاً لقضايا الدين.. وانتبهوا أيها السادة للأمر الجلل الذي أنيط بكم وأنتم ورثة الأنبياء، وأنتم الذين أحالنا الله إليكم في فهم ديننا ودنيانا حيث قال تعالى: ]فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[ (النحل:43) فاتقوا الله فينا نحن (الأميين).
وأذكركم والذكرى تنفع المؤمنيـن: ]وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ[ (آل عمران:187). وأحـذركم أن تفعلوا فعل من قبلكم ]يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ[ (المائدة:13) وأعتذر إليكم.. إن كان في كلامي جرأة فما هو إلا حماس الشباب، والغيرة على الدين، والنصح للمؤمنين.
واستأذن أساتذتي العلماء في كل جنبات الأرض أن أعرض على سكان الأرض كيف بدء الخلق كما ورد في الكتب المقدسة والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأقوال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. وما ورد بحضارات السابقين وهذا الذي سيطوح بكل نظريات العصر الحديث. ( يستكمل غداً انشاء الله )

بسام
31-12-2008, 10:03 AM
شكرا لك اخي عين الصقر على النقل الرائع والدسم