مشاهدة النسخة كاملة : جريدة المدينة -در اكان - خوفنا على المحبة


ابوعلاء
04-09-2008, 12:19 PM
خوفنا على المحبة


http://al-madina.com/files/imagecache/node_photo/files/rbimages/1220481765161846400.jpg (http://al-madina.com/node/50440)

الخميس, 4 سبتمبر 2008


د.راكان عبدالكريم حبيب



لم أستطع بالأمس منع مشاعري من دغدغة حنيني إلى ماضٍ جميل، فأخذتْ تداعبه حتى وجدت نفسي أمام حاضر متمثّل في حيٍّ صغير عمره أكثر من ثلاثمائة عام، يُعدُّ قطعةً من تاريخ أحياء جدة القديمة التي عشتها، وسردها لنا الأجداد جَدًّا عن جدٍّ، وعمّةً عن خالةٍ. لا أدري كيف تمثّل أمامي؟ كان البعض يظنه أنه قد اندثر، فظلّوا يعتقدون أن حضارة الأسمنت قد ردمته. لكني بالأمس وجدته متكاملاً، أقرأ حروفه، وأمرّغ خدي بين صفحاته.
جلستُ مع مجموعة كبيرة من سكان حيّ النزلة نتتبع (مصادر) ومنابع الوجدان والأحاسيس التي كانت - ولا زالت - تغلّف العلاقات بين الناس. أجابني أحدهم قائلاً: إنَّ المنبعَ داخليٌّ في النفس. وقال آخرون: إنَّ المنبعَ خارجيٌّ في بيئة الحيّ نفسه، فأشاروا إلى بساطة الحياة، وأسلوب المعيشة التي فيها (بركة). لم أجد صعوبة في جمع ما قالوه تحت عنوان: “القيم المشتركة”. فقلتُ لهم: تعالوا نكتشف السر. ألا تجدون أنَّ المحبةَ تشكّل قاسمًا مشتركًا في النزلة، مثلها في ذلك مثل بقية الأحياء القديمة؟
ارتفع صوتهم، وأخذ كل واحد منهم دوره في الإجابة معبرين: نحن لا نخاف في هذه الأيام إلاَّ على هذا الحب. فنخشى أننا سنفقده إذا انتقلنا وتفرّقنا في بقية الأحياء. عندئذٍ سوف يشعر كل فرد منّا أنّه قد انقطع غصنه من الشجرة، واقتلعت جذوره من تربة الأرض. وأخذوا يعدّدون المعايير التي بُنيت عليها علاقاتهم :
• جئنا من قبائل وبطون متنوّعة، لكننا على مر السنين تآلفنا، وتزاوجنا، وأصبح بيننا رحم، فأصبحنا كأننا أسرة تحت سماء الحيّ.
• استقبلنا على مر السنين جماعاتٍ وبطونًا متعددة، وأنزلناهم مساكننا؛ حتّى أننا لم نبخل على مَن أراد المشاركة معنا في نقاء هواء الحيّ، فبعنا أجزاء من أراضينا على أسر من وسط جدة القديمة؛ لنكوّن معهم باقة متعددة الأطياف.
• لم نعرف شيئًا اسمه (فراغ)، فكل الحيّ يجتمع سكانه في (العصريّة) والمساء. لا نعرف صاحب حاجة إلاَّ جمعنا له، ووقفنا معه بكل ثقة؛ لأنه لا يعيش بيننا كذّاب يستغل براءة وسماحة جماعته.
من بين الصفحات التي كنّا نقلّبها، اخترتُ صفحةً واحدةً رأيتُ فيها نفسي وأنا أزور أصدقاء الإعدادية. وأثناء تجوالي على (البسكليتة) كنتُ أشعر بعيون الحيّ، وهي تراقبني كأني غريب. لكن سرعان ما يألفوني عندما يتأكدون من مقصدي. وكنتُ في كل رحلة أرى السكينة والرضا بين سكان الحيّ. في ذلك الوقت كانت النزلة تعيش مرحلة صياغة الحيّ المتعدد الألوان بنفس الصورة التي عايشتها الأحياء القديمة.
توقفتُ فجأة متسائلاً وموجّهًا حديثي للجميع، ودعوتهم للتفكير في استمرار هذه الصورة، وكيفية الحفاظ عليها في ظل الأجواء المتلبّدة التي تنذر بإزالة الحي، وبنائه من جديد. أخذ أحدهم دوره وقال: عندئذٍ عليَّ أن أنصب خيمةً، وأكتبُ عليها لوحة (ضاع الحب)، فأجابه آخر لن تحتاج للوحة إذا فكرنا في البدائل. فقال ثالث: لا نريد بديلاً. فقلت لهم: دعونا ننطلق من حقيقة واحدة وهي أنّه لا يمكن لأحد أن يتجاهل التطوير . واتفقنا أن سكان الحيّ هم جزءٌ من التطوير، واستعرضنا قائمة من المواصفات التي تضمن تطوير الحي برضا من سكانه كانت غائبة عن مكاتب الاستشارات التي تدرس وتقرر من المكاتب مستقبل الناس، فتقيس (المحبة) كأنها أشياء. واخترنا منها باقة جميلة للدراسة. وقبل أن أغادر للحاق بالسحور استوقفني أحد الشباب المتحمّسين وقال: لن يقبلوا أفكارك، فهي غير مربحة للشركة! فقلت له: إن هذا الأمر لا تقرر فائدته الشركات، ولكن تقرره الدولة؛ لأنها تعرف تكلفة ضياع المحبة في المجتمع.. ذلك أن إزالة أحياء تقطنها مئات الآلاف من البشر يعني خلخلة سكانية لا يمكن تخيّل آثارها النفسية، والاجتماعية


رابط الموضوع نرجو المشاركه في موقع الجريدة لاهميته
http://al-madina.com/node/50440

حربية
04-09-2008, 12:48 PM
جزاك الله خير
تم ارسال تعليق وشكر للكاتب

بروق الفجر
04-09-2008, 12:53 PM
جزاك الله خير

تم التعليق على الموضوع

حنين الحاره
04-09-2008, 01:24 PM
بالتاكيد هذه الصورة او اللوحة لن تجد مثلها ابدا في وقتنا الحاضر فمع شبه طمس للعديد من

الاعراف والتقاليد والعادات لازلنا نجد عاصمة جدة النابضة النزلة تخبر العالم بان هناك من

الاواصر والروابط مايفيض الدمع من خلاله ..

لماذا النزلة ..

الحي الذي يحمل من اسمه الكثير فهو حي باهله لم يمت كاحياء كثيرة قديمة او لم يصبح كالجثة

الهامدة كالاحياء المستحدثة اهله لازالوا مترابطين في وقت يبحث فيه العالم المتمدن عن حي يمثل

الجسد الواحد الفقير والغني الصغير والكبير له التقدير له الاحترام ولذلك نرى العديد من المؤثرين

في الساحات المحلية والخارجية خرجوا علينا من النزلة ... فهي الحي المثالي لمن اراد ان يشتم

عبق الزمان ويستعيد عادات اندثرت واصبحت في طي النسيان ..لو اخبرت العديد من المهتمين او

الطالبين للسعادة عن هذا الحي لبذلوا الغالي والنفيس من اجل هذه الجيرة ..الترابط

بين الابناء ومعنى التضحية هي المطمئن الوحيد لكبار السن يأمنوا ابنائهم شر المدنية المتحضرة..

هناك جهود تبذل من اجل راحة اهل النزلة وهم بالطبع كما قلتم ليسوا ذد التطوير بل هم يدا بيد مع

اولياء الامر .. ولكن رغبتهم الشديدة تتمثل في ابعاد الغشاوة التي تتستر من خلالها الشركة


المنفذة التي الى الان لم يسمع منها الا صيغة التهديد والوعيد وهم بذلك يتسببون في احداث حزن

عمبق داخل هذا الحي العتيق .. نعم لااكذب عندما اقول بان هناك غيمة سوداء فوق هذا الحي

تستنجد لهذا الحي المثالي

ALLOSH
04-09-2008, 03:57 PM
يعجز لساني عن الشكر للدكتور راكان وعلى حروفه الرائعة التي ملئها أمل كتبت من مداد من حب هذه المعاني التي تربينا عليها ودرسنا الكثير من مفرداتها في مدارسنا وافتخرنا باننا اصحاب ميراث حضاري عظيم ،، ولكن بسبب حفنة من المال تجد الآن من يشكك فيها ويريد نزععها وهدمها ودفنها تحت جدران خرسانية عالية مدعياً ان من دواعي التطوير هدم العواطف والاخلاق والقيم ،، فعندهم الحب لا يؤكل عيش ونسوا ان الجار قبل ادار ،، ارادوا ان يقلدوا ما ثبت فساده عند الفكر الرأس مالي بشهادة كثير من منظريهم فلا هم استطاعوا ان يقلدوا مشية الغراب ولاهم استطاعوا ان يعودوا الى مشيتهم ،،

ولد العز
04-09-2008, 06:21 PM
جزاه الله خير

جيراننا الأعزاء لا تنسو ان تكتبوا تعليقات في موقع المقالة