توفيق التوفيق
24-08-2008, 05:50 AM
لأحد 23 شعبان 1429هـ الموافق 24 أغسطس 2008م العدد (2886) السنة الثامنة
كتاب اليوم
محمود تراوري (editorial@alwatan.com.sa)
النزلة.. ذاكرة مدينة وهوية عمارة لا شيء يشغل سكان جنوب جدة هذه الأيام سوى مشروع تطوير قصر خزام، الذي سيزيل جزءاً من الحارات التي نشأت خارج سور جدة التاريخي.
أهالي حي النزلة هم الأكثر صخبا وقلقا وارتباطا بالمكان، ذلك -لمن لا يعرف- أنهم أوقدوا شمعة الحميمية من طرفيها، وحققوا المعادلة الصعبة، فهم وعلى عكس بقية سكان المدينة القديمة، لم يرحلوا عن حيهم خلال سني الطفرة والزحف نحو الشمال. ظلوا أوفياء للمكان بما نسبته -تقديرا- 70%، احتفظوا ببيوتهم، وطريقة الحياة القديمة الأصيلة، القائمة على التواد والتواصل، وظلت عالية بينهم قيم الجيرة والفرح القديم، ولربما هذا ما جعلهم الأكثر خوفا من المشروع الذي أول ما يهدم قبل الهدم المادي، ذلك الجانب الروحي الذي نشأوا عليه، ومن لم ينشأ في حارة مكتظة بالحب لا يمكنه إطلاقا استيعاب ماذا يعني أن تفقد أهلك وأحبتك في زمن سطوة مشاعر المادة وقيم المال على قيم البراءات الأولى.
ما يحدث الآن ويرافق المشروع من تداعيات، جعل أبناء النزلة يلوذون بالإنترنت وينشئون لهم موقعاً لبحث الموضوع، لربما يجعلنا نتساءل مع إبراهيم الأحمدي عن التعويضات التي ستمنح: هل ستوفر بديلا للسكان في غير مناطق أقصى جنوب جدة أو قويزة أو الحرازات، وهي مناطق ربما تتصف بنفس المبررات التي قيلت أنها دافع للتطوير وهي العشوائية، كما أنها مناطق ترتفع فيها نسبة الجريمة كما يقول الأحمدي الذي يرى أنه في النهاية (كأنك يا بو زيد ما غزيت)!.
وبعيدا عما يعتبره البعض نظرة رومانسية للموضوع، أراني مندفعاً للخوض في محور آخر يتعلق بهوية وملامح التطوير، فما رأينا من تصاميم أولية، جاء متماهياً مع الشكل الغربي، المشابه لما يحدث في مدن الخليج وأشهرها دبي، وهي مدن قد لا تلام فيما اختارته من هوية عمرانية، لأنها بالأساس بلا مرجعية، إنما الأمر في جدة (غير).
فإذا كان المشروع ملحاً لمتطلبات كثيرة، أجد أنه يمثل فرصة عظيمة، للحفاظ على هوية وملامح المدينة، إذ يمكن استنساخ مباني منطقة البلد التاريخية التي تعتبر ذاكرة المدينة الدالة على أنها ليست مدينة هجين، ولدى أستاذ العمارة في كلية تصاميم البيئة الدكتور عدنان عدس أفكار وتصاميم رائعة في هذا المجال.
والحديث عن فن العمارة يحملنا إلى الحديث عن الحياة الاجتماعية والفنية والثقافية للحضارات والروح التي أنتجت هذا الفن والتي كانت الحلقة الأولى لتطور حضارة العمران التي انتكست في معظم المدن العربية حين استعارت الشكل الغربي غير الملائم للبيئة والمناخ والثقافة الاجتماعية.
فلماذا نستعير اليوم الأسلوب الغربي في العمارة والذي قلنا بأنه لا يتسق مع البيئة المحلية وطبيعة المناخ؟.
رابط المقال :
http://www.alwatan.com.sa/news/writerdetail.asp?issueno=2886&id=7081
كتاب اليوم
محمود تراوري (editorial@alwatan.com.sa)
النزلة.. ذاكرة مدينة وهوية عمارة لا شيء يشغل سكان جنوب جدة هذه الأيام سوى مشروع تطوير قصر خزام، الذي سيزيل جزءاً من الحارات التي نشأت خارج سور جدة التاريخي.
أهالي حي النزلة هم الأكثر صخبا وقلقا وارتباطا بالمكان، ذلك -لمن لا يعرف- أنهم أوقدوا شمعة الحميمية من طرفيها، وحققوا المعادلة الصعبة، فهم وعلى عكس بقية سكان المدينة القديمة، لم يرحلوا عن حيهم خلال سني الطفرة والزحف نحو الشمال. ظلوا أوفياء للمكان بما نسبته -تقديرا- 70%، احتفظوا ببيوتهم، وطريقة الحياة القديمة الأصيلة، القائمة على التواد والتواصل، وظلت عالية بينهم قيم الجيرة والفرح القديم، ولربما هذا ما جعلهم الأكثر خوفا من المشروع الذي أول ما يهدم قبل الهدم المادي، ذلك الجانب الروحي الذي نشأوا عليه، ومن لم ينشأ في حارة مكتظة بالحب لا يمكنه إطلاقا استيعاب ماذا يعني أن تفقد أهلك وأحبتك في زمن سطوة مشاعر المادة وقيم المال على قيم البراءات الأولى.
ما يحدث الآن ويرافق المشروع من تداعيات، جعل أبناء النزلة يلوذون بالإنترنت وينشئون لهم موقعاً لبحث الموضوع، لربما يجعلنا نتساءل مع إبراهيم الأحمدي عن التعويضات التي ستمنح: هل ستوفر بديلا للسكان في غير مناطق أقصى جنوب جدة أو قويزة أو الحرازات، وهي مناطق ربما تتصف بنفس المبررات التي قيلت أنها دافع للتطوير وهي العشوائية، كما أنها مناطق ترتفع فيها نسبة الجريمة كما يقول الأحمدي الذي يرى أنه في النهاية (كأنك يا بو زيد ما غزيت)!.
وبعيدا عما يعتبره البعض نظرة رومانسية للموضوع، أراني مندفعاً للخوض في محور آخر يتعلق بهوية وملامح التطوير، فما رأينا من تصاميم أولية، جاء متماهياً مع الشكل الغربي، المشابه لما يحدث في مدن الخليج وأشهرها دبي، وهي مدن قد لا تلام فيما اختارته من هوية عمرانية، لأنها بالأساس بلا مرجعية، إنما الأمر في جدة (غير).
فإذا كان المشروع ملحاً لمتطلبات كثيرة، أجد أنه يمثل فرصة عظيمة، للحفاظ على هوية وملامح المدينة، إذ يمكن استنساخ مباني منطقة البلد التاريخية التي تعتبر ذاكرة المدينة الدالة على أنها ليست مدينة هجين، ولدى أستاذ العمارة في كلية تصاميم البيئة الدكتور عدنان عدس أفكار وتصاميم رائعة في هذا المجال.
والحديث عن فن العمارة يحملنا إلى الحديث عن الحياة الاجتماعية والفنية والثقافية للحضارات والروح التي أنتجت هذا الفن والتي كانت الحلقة الأولى لتطور حضارة العمران التي انتكست في معظم المدن العربية حين استعارت الشكل الغربي غير الملائم للبيئة والمناخ والثقافة الاجتماعية.
فلماذا نستعير اليوم الأسلوب الغربي في العمارة والذي قلنا بأنه لا يتسق مع البيئة المحلية وطبيعة المناخ؟.
رابط المقال :
http://www.alwatan.com.sa/news/writerdetail.asp?issueno=2886&id=7081